Sunday, January 10th, 2016 | Posted by:

dr._tarek_chidiac

د. طارق الشدياق – رئيس لجنة جبران الوطنيّة.

– القصد

ما قصدت في عجالتي هذه أن أذكّر فقط بضرورة العمل الدائم والمستمرّ من أجل بقاء هذا الوطن الذي نحبّ جميعاً. بقاؤه بثوابته، بقيمه، وبخصائصه التي تميّزه تمييزاً حاسماً عن الغير، فتحدّده في ذاته وتجعل منه وطن رسالة الى العالم أجمع. ولا قصدت فقط، أن أذكّر بضرورة إعادة فهم، وبالتالي العمل على حمل مقوّمات هذا الوطن الى صلب رسالته من خلال العمل على إنسانه ليكون مميّزاً وقادراً على حمل رسالة وطنه. ما قصدّته بالضبط إنّما هو تفكّر متواضع في دور لبنان هذا العظيم، عملت فيه على التركيز على أنّ رسالة لبنان للعالم والذي بات يعرف بأنّه أكثر من وطن، إنّما هي رسالة ديناميكيّة غير جامدة، قادرة على التطوّر والإرتقاء بشكل دائم لا يتوقّف، مع تطوّر وارتقاء المفاهيم الإنسانيّة التي ما زالت تتّجه نحو المطلق الأسمى، والتي وحدها تستحقّ التوقّف عندها، والعمل على ترسيخها وإظهارها وإزالة شوائبها أو ما هو مختلفٌ عليها وفيها.

إنّ مقولة “لبنان وطن رسالة” والتي دعانا لحملها البابا القدّيس يوحنّا بولس الثاني في إرشاده الرسولي “رجاء جديد من أجل لبنان”[1]، إنّما تعني، فيما تعنيه، الارتقاء بها الى أعلى درجات النبل الإنساني، والى عمق أعماق المحبّة الإنسانيّة السمِحة، المتفهّمة، المعطاءة من دون حدود والمكتفية بذاتها. هذا بالضبط ما سأحاول الإضاءة عليه فيما أنا أكتبه الآن. ولكن … أبادر فوراً للإشارة الى أنّ عجالتي ليست سياسيّة، أيّ أنّها ليست بحثاً سياسيّاً على أهميّة هذا النوع من البحوث، بل هي بالتحديد كيانيّة، تنبع من صلب المعنى الوجودي اللبناني وتثبته حقيقة راسخة لا تقبل المساومة[2]. وهي – عجالتي -لا تأتي الى السياسة، إذا ما أتت، إلاّ من باب الكيان، أمّا العكس فليس صحيحاً على الإطلاق. وسأوضح قصدي هذا من خلال نقطتين أساسيّتين تختصّان بالرسالة اللبنانيّة نفسها وبالوطن الذي يحملها.

– الرسالة فعل حرّ.
كما الكثيرين منّا وجدتُني مسحوراً أمام عبارة “لبنان وطن رسالة”، وعبارة “لبنان أكثر من وطن”، لسببين على الأقلّ: الأوّل، أنّ لبنان وهو وطني، يحمل رسالة الى العالم. فالأمر ليس عاديّاً. ما من وطن قيل فيه ما قيل في هذا الوطن الصغير، ما من غيره حُدّدت رسالته كما حدّدت رسالة لبنان. وفي هذا فخر له يواجه به العالم كلّه، ويثبت معنى وجوده فيه. أمّا السبب الثاني، فهو أنّي أنا، ابن هذا البلد، من سيحمل هذه الرسالة. وأنا، مع غيري من اللبنانيّين، مدعوًّ لكي أبشّر بها ولكي أقدّمها نموذجاً للجميع. وفي هذا الأمر زهوٌ، وقد لا أقول غرور. وما بين الفخر والزهو يكمن السحر الذي ما بعده سحر، وها أنا أقف أمامه الآن. هو الدهشة المريحة للذات بفرحٍ عظيم. ولكن… كما بعد كلّ وقفة دهشة أمام أيّ سحر في هذا الوجود، لا بدّ للعقل أن يبدأ بطرح الأسئلة التعريفيّة لها، ولا بدّ له من الإحاطة بهذا السحر واستيعاب هذه الدهشة أو، على الأقلّ، من محاولة تفسير ماهيّته أمام الغير. والسؤال الأوّل، البديهي، هو في هذه الحالة: ما هي رسالة لبنان بالضبط التي سيقّدمها للعالم؟

قول البابا القدّيس يوحنّا بولس الثاني فيما خصّ لبنان ورسالته يُختصر، كما شهدت كثرة من الأقلام، كما يلي: “ان لبنان أكثر من وطن، هو رسالة حرية وعيش مشترك للشرق وللغرب”، وسيتمّ التشديد على العيش المشترك أكثر من أيّ شيء آخر كما في القول: ” لبنان هو أكثر من وطن، أكثر من بلد أنه “رسالة”، رسالة في العيش المشترك السوي بين المسلمين والمسيحيين، ورسالة للغرب الأوروبي والاميركي مثلما هو رسالة للشرق العربي والإسلامي أي انه رسالة عالميّة.”[3] واضحٌ أنّه في هذا الاختصار دعوة بابويّة للبنانيّين للاستمرار في العيش المشترك السويّ، بل للتمسّك به وتقديمه نموذجاً للشرق المحترق في حروبه المذهبيّة ورافع لواء التعصّب الديني الى أقصى حدود التزمّت والعنصريّة، وللغرب الغارق أكثر فأكثر في مادّية شرّعتها العولمة أساس قوّة وغنى وسيادة تبتعد كلّ يوم عن الإنسانيّة التي لا يمكن أن تعرف عمقها إلاّ بمقدار ابتعادها عن المادّية.[4] هي دعوة، بمعنى ما، الى الاستمرار في تكريس لبنان مختبراً عالميّاً إنسانيّاً بالمعنى الأنثروبولوجي للمسيرة الإنسانيّة عبر العصور، فيكون تحت المجهر بتحاليله وخبراته ونتائجه وإخفاقاته ونجاحاته.

ولكن … إذا ما قدّمنا هذا الوصف للبنان على أنّه رسالة فريدة، والذي يبدو أكثر من جيّد للوهلة الأولى بل ممتازاً من الناحية الإنسانيّة، الى الأوروبي عامّةً -الفرنسيّ مثلاً -لا بدّ أنّه سيقول لنا بـ “أنّ هذه الرسالة نعيشها هنا، فبيننا مسلمون ونحن لا نسأل أحداً عن دينه، نعيش معاً بحرّية تكاد تكون مطلقة، ثمّ إنّ القانون الفرنسي يظلّلنا جميعاً لنتساوى في الحقوق والواجبات”. كذلك سيكون الردّ إذا ما اتّجهنا الى الأميركي. ففي الولايات المتّحدة وباقي دول أميركا، الشماليّة أقلّه، الملايين من المسلمين [5] ولا أحد يسألهم عن معتقداتهم وبما يؤمنون. هذا ما سيقوله لنا الفرنسي أو الأميركي حتماً. وما ستقوله شعوبً أخرى تعتدّ في علمانيّتها وقد كرّستها في دساتيرها وقوانينها. وبعضهم قد يسخر قائلاً: “عا شو شايفين حالكُن؟”[6]. للوهلة الأولى قد تكون هذه الحقيقة صادمة لمن وقف مثلي مسحوراً أمام هذا القول. ولكن المسألة بحاجة الى الوقوف عندها سيّما وأن القول صدر عن بابا قدّيس له وزنه وقيمته القدسيّة من ناحية، وقيمته الإنسانيّة الزمنيّة بين قادة الرأي في العالم من ناحية أخرى. ولهذا، يبدو لي أنّ العبارة المستندة الى العيش المشترك فيما خصّ لبنان الرسالة ينقصها دافع ما، أو نقص مكمّل، أو كلمة موضحة واجب التفتيش عليها بين سطور المتكلّمين عن الرسالة، وفي ماهيّتها وأهدافها. وهذا ما سنحاول إظهاره فيما سيلحق.

إن عدنا الى تاريخ البارحة، تاريخ الأمس القريب، تاريخ ما قبل حرب العام 1975 بسنوات قليلة، لوجدنا أن البابا يوحنّا بولس الثاني ليس أوّل من نطق بمقولة “لبنان وطن رسالة”. لقد عرف هذا البلد بتنوّعه الفريد وبإرادة أبنائه بالعيش معاً منذ القدم. إنّ “زعماء لبنان” عصرذاك، أو مسؤوليه السياسيّين، تحدّثوا عن هذه الصفة اللبنانية بلغتهم وتعابير ذلك الزمن. فمقولتهم أنّ “لبنان وطن نموذجي”، أو ” لبنان من دون مسلميه لن يكون لبنان، وكذلك من دون مسيحيّيه”، أو “لبنان طائر بجناحيه المسلم والمسيحي”، أو ” لبنان واحد لا لبنانان”، أو ما شابه ذلك من مقولات وتعابير، إنّما كان القصد منه تبيان ميزة هذا الوطن الصغير.[7] وقد يكون أوّل من تناول مقولة لبنان كوطن رسالة بشكل علميّ أو أكاديمي كيانيّ، وظهّر لها في الكثير من المحاضرات التي ألقاها وفي بعضٍ من مؤلّفاته التي نشرها، هو الدكتور شارل مالك[8]. بالطبع نحن لا ننسى هنا من سبق الدكتور مالك ومن عاصره أيضاً من مفكّرين، كانوا، في بحثهم في مسألة القوميّة اللبنانيّة، يرسمون بصورة غير مباشرة الأسس الكيانيّة لرسالة لبنان، من أمثال، ميشال شيحا، ويوسف السودا ثمّ فؤاد أفرام البستاني، وجواد بولس وآخرين.

في كتابه ” لبنان في ذاته”، يؤكّد الدكتور مالك أنّه “لا يوجد تواجداً صادقاً حرّاً في التاريخ كمثل التواجد المسيحي – الإسلامي الرائع في لبنان”. وهذا الأمر يؤهّله ليلعب دوراً عالميّاً تاريخيّاً هائلاً. إنّها ميزة هذا اللبنان وهي ميزة حقيقيّة وواقعيّة.[9] ونضيف بأنّ هذا التواجد الصادق – الميزة -لا يعرف عمقه إلاّ في المحيط الذي هو فيه وأعني به الشرق الأوسط. فالشرق الأوسط ما عرف تواجداً بشريّاً سمحاً كما عرفه لبنان بالرغم من كثرة الإدّعاءات بغير ذلك. اللبناني المسلم وحده، في هذا الشرق، كذلك المسيحي، يستطيع القول أنّه يشعر أنّه في بيته تماماً، في وطنه وبيئته. وهذا الأمر يفسّر تساوياً كيانيّاً بين الإثنين، المسيحي والمسلم. “في اللحظة التي يبطل فيها هذا التساوي الكياني في لبنان، يبطل لبنان”، يقول شارل مالك.[10]

والحال، لا بدّ لقارئ الإرشاد الرسولي، “رجاء جديد للبنان”، المتمعّن في مضمونه، أن يجد فيه، وفيما بين سطوره، الدافع الناقص وقد كنّا نبحث عنه، أو الكلمة الموضحة، والحبيبة على قلب الدكتور مالك نفسه[11]، وهي الحريّة نفسها. ففي الإرشاد هذا دعوة صريحة لاحترام حقوق الإنسان وأبرزها الحرّية على كلّ صعيد. إن حرّية التعبير والحقّ بالاختلاف وخصوصاً الحرّية الدينيّة هي تعبير عن إيفاء الحرّية حقّها لتكون مسؤولة أمام نفسها. أن ترتبط الرسالة التي، نحن بصددها الآن، بالحريّة واقعاً مفعولاً هو ما يرفع الميزة اللبنانية في العيش المشترك الى مرتبة الرسالة[12]. ويوضح الدكتور مالك بأنّ الحريّة في بلد تعدّدي مثل لبنان لا يمكن إلاّ أن تكون بالمبادلة. وبهذه المبادلة يكون احترام حرّية الآخرين[13].

وعليه، تكون الحريّة أساساً تقف عليه رسالة لبنان في العيش المشترك، بحيث لا يمكن الكلام عن رسالة من دون الحرّية نفسها. ويكون لبنان وطن رسالة العيش المشترك بين جميع أبنائه، بقناعة حرّة ذاتيّة أيّ بفعل إرادي حرّ يقوم به جميع أبنائه. وهذا يعني أنّنا نستطيع أن نفسّر رسالة لبنان بما يلي: أنا المسيحي اللبناني أريد العيش بإرادة حرّة مع المسلم اللبناني. وأنا المسلم اللبناني أريد العيش بإرادة حرّة مع المسيحي اللبناني. والحال قد يختلف المسيحي اللبناني عن كلّ مسيحيّ آخر غيره، وهكذا قد يكون حال كلّ مسلمّ لبنانيّ. هنا تكمن رسالة لبنان والتي لن نراها، وإن طال تفتيشنا، خارج هذا الوطن.

– ديناميكيّة الرسالة.
لطالما ردّد الوزير السابق ميشال إدّة أنّه “في كلّ مرّة عرف فيها لبنان أزمات، سواء في العام 1860 أو 1958 أو 1975، علماً بأنّها كانت مثارة من الخارج، كان اللبنانيّون ينجحون بدون إبطاء، وفوراً بعد انتهاء الصدامات، في استعادة العيش المشترك بصورة عاديّة وطبيعيّة”[14]. إذ يطرح هذا القول الكثير من التساؤلات، من مثل لماذا تتكرّر الصدامات بالرغم من أنّ اللبنانيّين خبروا أهوالها؟ أو لماذا يبقى لبنان قابلاً للإثارة من الخارج؟ وقد تقودنا الأجوبة الى نقد النظام الطائفي الذي نحن فيه والى إثارة مسألة المواطنة برمّتها من حيث التقاليد والعادات والتعصّب والخوف والغبن والحماية[15]، ولكنّنا لن نقف عندها، على أهميّتها، ذلك أنّها لا تخدم موضوعنا الذي نكتبه الآن. ما يهمّنا هو عودة
اللبنانيين الى العيش المشترك بسرعة مذهلة، وكأنّ في الأمر دافع غير مرئيّ يجري في عروقهم وأذهانهم بل وأفئدتهم.

صحيح أنّ هذا الوطن اللبناني معروف، أكثر بما هو معروف فيه، بمشاكله الكبيرة[16]. ولكن لو سألنا المسلمين فيه إن كانوا يرضون بالعيش من دون المسيحيّين لأجابوا بالنفي، وكذلك لفعل المسيحيّون. وما هو صحيح أيضاً، وما يهمّنا أن نركّز عليه هنا، هو أنّ العودة الدائمة الى العيش المشترك بعد كلّ أزمة إنّما هي انعكاس لإرادة الناس هنا بهذه العودة خاصّة عند استشعارهم بخطر زوال بلدهم. وقد أصبح هذا الأمر خاصّية لبنانيّة متميّزة تحدّث عنها الآخرون بإعجاب، وما يزالون، ومن بينهم الفيلسوف “هيغل” نفسه[17].

إن مسألة العودة الى الحياة الطبيعيّة، أي الى العيش المشترك، مع الشريك الآخر في لبنان، عند انتهاء كلّ أزمة، هي تفسير ولا شكّ لرفض التخلّي عن العيش المشترك الحرّ كصيغة فريدة في العالم، والكامن في نفوس كلّ المجموعات اللبنانيّة. قد يكون هذا الرفض فطريّاً كما قد يبدو للبعض، وليس في الأمر عيب، أو يكون تلقائيّاً، أيّ من دون تفكير مسبق، أو نقاش أو مجادلة تنتج عن حيرة. هذه التلقائيّة ناتجة بلا ريب، عن تاريخ مشترك طويل تجذّر في ضمائرنا ودخل في ثقافة عيشنا المشترك ومصيرنا الواحد. وهو، في كلا الحالين، فطريّاً أو تلقائيّاً، مؤسّس لهذه الرسالة وخادمٌ لها. والحال تكون هذه الرسالة في صلب ثقافتنا المتراكمة عبر التاريخ. لكننا يجب أن نعمل ليكون رفضاً واعياً مدركاً لأهمّية دور لبنان في العالم. وهذا يتطلّب الكثير من الصبر والوعي والمعرفة، والكثير الكثير من التواضع. وعيٌ تاريخيّ للمنطقة وللعالم. ويجعلنا ندرك أهميّة أن نكون بمنأى عن خلافات الشرق مع ذاته، وعن خلافات الغرب مع ذاته، وعن خلافاتهما مع بعضهما البعض. وحده هذا الوعي يبقي لبنان ويبقينا فيه. فلا التبعيّة لجهّة إقليميّة مهما عتت، أو جهّة عالميّة مهما عظم جبروتها يمكن أن يحمينا بقدر ما يفعله الإيمان بهذا الوطن وبرسالته[18].

والحال، ليس خطأ القول، ولا هو مبالغ به ولا هو حتى من نوع الكلمات الجماليّة المرصوفة والبعيدة عن الواقع، بأنّ رسالة لبنان هي سبب أساسيّ من أسباب وجوده. يزول إن زالت والعكس صحيح. وإذا كان العالم بحاجة له ولها إحقاقاً للسلام العالميّ المنشود دوماً، فحماية بقائه واجب على الجميع. الكلّ بحاجة للقاء حواريّ مع الآخر المختلف، وأقصد هنا، الاختلاف ما بين الدينين الكبيرين، الإسلام والمسيحيّة، ليس فقط على صعيد العقائد الروحيّة بل أيضاً على صعيد الواقع العمليّ المعاش يوميّاً. سيبقى لبنان إذاً بلد الحوار المسيحي الإسلامي الوحيد في العالم، بين غربٍ منفتح على المادّة أكثر من أيّ انفتاح آخر، وشرقّ غارق في تعصّبه بعيداً عن السلام العالمي[19]. هذا الحوار ليس سهلاً على الإطلاق ذلك أن لا معنى له على الإطلاق إذا ما طبّق واقعاً معاشاً. وفي هذا التطبيق تكمن كلّ الصعوبة[20].

سيسمع المسلم اللبناني من مسلمين آخرين في العالم تهكّماً أو إهانات مجبولة بالغضب، وبالقرف أحياناً، عن كيف يمكن له أن يعيش بتساوٍ رحيم مع كافر، مشرك، لا يعترف بدينه. وسيسمع المسيحي اللبناني من مسيحيّين آخرين في العالم تهكّماً أو إهانات مجبولة بالغضب، وبالقرف أحياناً، عن كيف يمكن له أن يعيش بتساوٍ محبّ مع من ينكر عقيدته، وألوهيّة سيّده. وهذه بعض من الصعوبة التي أشرنا إليها. هذه الضغوط العقائديّة على الناس لا يمكن أن تجابه إلاّ بالتشبّث بالرسالة سبب وجود، وديمومة الحوار المشار إليه كنهجٍ حرّ أصيل. إنّ معادلة: أنا المسيحي اللبناني أريد العيش مع المسلم اللبناني، أو أنا المسلم اللبناني أريد العيش مع المسيحي اللبناني، بفعلٍ إراديٍ حرّ، والتي هي ترجمة نبيلة لرسالة لبنان، سترى عمقها في الحوار الدائم الإسلامي المسيحي. ففي الحوار هذا يمكن أن يتمّ الإتّفاق على ما يمكن أن يتّفق عليه، أمّا ما هو مختلف عليه فيمكن إدارته بإنسانيّة سمحاء. وهكذا ستتجلّى رسالة لبنان بديناميكيّة واضحة مع مرور الزمن لتصبح: أنا المسيحي اللبناني لا أريد العيش إلاّ مع المسلم اللبناني، أو أنا المسلم اللبناني لا أريد العيش إلاّ مع المسيحي اللبناني. ذلك أنّ الرسالة اللبنانيّة المستندة الى الحرّية والإنسان ستتجذّر مع رسوخ الحرّية نمط عيش مشترك، وتطوّر الإنسان نحو الرقيّ.

ما كانت عجالتي هذه إلاّ لاعتقادي أنّ لبنان ما انوجد عبثاً أو صدفة، أو، كما يقول البعض، نتيجة خطأ تاريخي. فلوجوده هدف عالميّ نبيل، تمّت صياغته بنعمة قدسيّة واضحة. إنّ الإيمان بهذا البلد الصغير، هو الإيمان برسالته. وإذا كان العالم يرى فيه هذه الرسالة بوضوح فكم بالحريّ بأبنائه أن يحفظوها ويحافظوا عليها ويعملون بها.

——

[1] – توّجه البابا بالزيارة التاريخية الى لبنان في أيار 1997 حيث وقّع الارشاد الرسولي “رجاء جديد للبنان” امام الشبيبة اللبنانية قائلا: “أسقطوا كل جدران الخوف والتفرقة فيما بينكم ومواطنيكم من غير المسيحيين، وعودوا لبناء وطن كان لأجدادكم وابنائكم حلما ونموذجا، وسيبقى للعالم اجمع كما اسميته وطن الرسالة”.
[2] – ننطلق فيما نكتبه من ثوابت أساسيّة هي ثوابت بكركي أو الثوابت الوطنيّة وهما توأمان في النصّ والمضمون.
[3] – هذا ما قاله المطران بولس مطر في ندوة صحفية في المركز الكاثوليكي للإعلام، بدعوة من اللجنة الأسقفية لوسائل الإعلام، حول روحانية ” القديس يوحنا بولس الثاني”، وعلاقته بلبنان ودوره في تفعيل الحوار بين الأديان.

[4] – قال المطران ميشال عون في عظته في القدّاس الإلهي الذي سبق احتفال تخريج الدفعة الأولى من المنتسبين الى حركة لبنان الرسالة والتي حملت اسم «البابا القديس يوحنا بولس الثاني»، في دار سيدة الجبل-فتقا، في 28 أيّار 2015: إن لبنان أكثر من وطن، إنه رسالة لكل العالم من خلال طريقة حياة المسيحيين مع بعضهم ومع المسلمين، لبناء وطن التضامن والمحبة والأخوة، فنعلن للعالم أنه يمكننا العيش معا في شرق تدمره الحروب والخلافات، وفي مواجهة عالم لم يعد يصدق أن للروح دورا في حياة الانسان. فعالم اليوم ينظر الى الآخر انطلاقا من القوة المادية، لذلك ان اعلان لبنان وطن الرسالة يساعدنا على أن نشهد لإيماننا واقتناعاتنا المسيحية، وهذا ما أرادت ان تعلنه حركة لبنان الرسالة، وتطلقه داخل الوطن».

[5] – تقدّر أعداد المسلمين في الولايات المتّحدة بما يفوق العشرة ملايين نسمة.

[6] – في مقال بعنوان ” المسلمون في الغرب تعايش أم مواجهة…؟”، يتساءل الشيخ خالد تقي الدين، رئيس مركز الأئمة والدعاة في البرازيل: ” المهاجرون (المسلمون) الذين ولدوا في هذه البلاد، يشعرون بانتمائهم للأوطان التي يعيشون فيها، وتفاعلهم مع قضايا بلاد آبائهم ضعيفة، فتجدهم يساهمون في نهضة وبناء المجتمعات التي ولدوا فيها، ولو خيروا لاختاروا البقاء في تلك الدول لما فيها من ميزات لا توجد في البلدان العربية والإسلامية.”

[7] – المقولتان الأوليتان تنسبان الى الشيخ بيار الجميل مؤسّس حزب الكتائب، أمّا المقولتان الأخيرتان فتنسب الى الرئيس صائب سلام أحد رؤساء الوزارة اللبنانيّة.

[8] – قال الدكتور شارل مالك في العام 1974، في مخاضرة ألقاها في كنيسة مار الياس –أنطلياس: ” أؤمن بأن لبنان يعني رسالة إنسانيّة فذّة لنفسه وللعالم العربي وللشرق الأوسط والعالم”.

[9] – ورد في كتاب “لبنان في ذاته” للدكتور شارل مالك، منشورات مكتبة التراث اللبناني: “… التواجد الإسلامي – المسيحي الحرّ يميّز لبنان تمييزاً تامّاً عن غيره، وبدون هذا التواجد لا يوجد لبنان.”

[10] – … ويتابع الدكتور مالك في كتابه “لبنان في ذاته”، أنّ هذا الأمر أيّ التساوي الكياني المشار إليه، إنّما هو شيء لم يحدث بعد في التاريخ.

[11] – قبل أنّ تتّخذ اسمها، الجبهة اللبنانيّة، وهي الجبهة التي تأسّست ممّا يعرف باليمين اللبناني آنذاك، بعيد حرب السنتين (1975 – 1976)، كانت تسمّى بجبهة الحرّية والإنسان. وقد كان واضحاً أنّ الدكتور مالك كان وراء هذه التسمية.

[12] – جاء في الإرشاد الرسولي، فيما خصّ حقوق الإنسان: “… المسيح جاء ليعلن تحرير جميع الناس ويوضح حقيقة الإنسان”.

[13] – المصدر، كتاب “لبنان في ذاته” للدكتور مالك.

[14] – ورد هذا القول في الصفحة 3 من كتاب “الأساطير المؤسّسة للنظام اللبناني” للمحامي ألبير فرحات، عن دار الفارابي 2010.
[15] – المصدر نفسه.

[16] – وصف “مترنيخ” رجل الإمبراطورية الألمانيّة الأوّل لبنان كما يلي: “هو الوطن الصغير الحجم والكبير المشاكل”. من بعده سيعرف لبنان بمشاكله أكثر من أيّ شيء آخر.

[17] -وصف الفيلسوف “هيغل” في كتابه “أمثولات حول فلسفة التاريخ”، المجموعات اللبنانيّة بتشبيهه لهم “بالبحّار الذي عليه أن يعتمد على ذكائه وحركيّته ليضبط أمواج البحر المتقلّبة”.

[18] – ما زلنا نذكر عرض الموفد الأمريكي “دين براون”، في بداية الحرب اللبنانيّة، يوم عرض على زعماء المسيحيّين أن يتمّ ترحيلهم الى كندا عبر بواخر تخصّص لهذه الغاية، وكيف كان الردّ تلقائيّاً بالرفض المطلق لهذه الميادرة.

[19] – يقول العلاّمة محمّد حسن الأمين في حوار مع نشرة جنوبيّة الإلكترونيّة: “وما ينشأ عن هذا الإيمان المشترك من القيم الروحية والأخلاقية بين الإسلام والمسيحية… إنما يشكل ذلك كله حافزاً من أجل تطوير العلاقة، وتعميقها بين هذين المصدرين الروحيين العميقين والأكثر غنى وتواصلاً بين كل العقائد الدينية الأخرى، وغير الدينية لكل الشعوب على هذه الأرض.

[20] – ويقول من المصدر نفسه: يواجه لبنان خطر العواصف العرقية والدينية وازدهار الطائفية والمذهبية فيه.. وخطر النظام الدولي الذي لن يعترف للبنان بوضعية استثنائية داخل العالم الثالث، كما هو تصنيف لبنان دولياً. وهذا الخطر بدأ بالظهور على شكل تحكم دولي وإقليمي، بالشأنين الداخلي والخارجي للبنان، وعلى شكل ضغوط اقتصادية تؤول إلى التأثير على البنية الاجتماعية والسياسية، بما يشبه بنية دول العالم الثالث.

Category: Politics
You can follow any responses to this entry through the RSS 2.0 feed. Both comments and pings are currently closed.

Comments are closed.