Tuesday, January 05th, 2016 | Posted by:

Ehden

 بقلم   ميشال الشمّاعي

لقد أطلق الرّفيق فرانسوا معرّاوي على صفحته الخاصّة عبر “الفايسبوك” هاشتاغ #ثورة_النّسّاك، ما دفع الجميع إلى التّساؤل عن ماهيّة ثورة تطلق على مواقع التّواصل الإجتماعي، أو كيفيّة متابعتها؟

لثورة النّسّاك مفهوم ينطلق من روحيّة مطلقها أوّلاً، ومن الذين سيخوضون غمارها ثانياً، هي ثورة إنسانية وليست طائفية لما يحمله النساك في حياتهم من زهد وإيمان وتجرد وصلاة لأجل الإنسان، كل إنسان..

المعلوم أنّ الثّورات في كلّ العالم تأخذ منحيين، إمّا أن تكون سلميّة أو أن تكون ثورة مسلّحة. لكن الملحوظ عبر التاريخ أن كل الثورات أخذت في نهاية مطافها، وفي مرحلة من مراحلها، المنحى العنفي. وتلك التي قادها الماهاتما غاندي في الهند خير مثال على ما قلناه.

ثورة النساك على من؟ ولماذا النساك هم روّادها؟

كل يوم صورة لدير أو لقلاية ناسك مع الهاشتاغ حتّى ضاقت هذه الشبكة به. صحيح أنّنا اليوم بحاجة إلى ثورة، ولكن ليس أي ثورة. أوّلاً يجب تحديد المفهوم. الثورة التي نحتاجها تبدأ من الأخلاق والقيم. نعيش اليوم في عالم تشوبه أزمة قيم. فالإنسان الذي يساعد غيره من النّاس المحتاجين، يعرّفون عنه بالبسيط. والإنسان الذي يرتشي ويكدّس الثّروات، يعرفون عنه بالشّاطر. ومن يبيع وطنه ويرهنه في سبيل مصالح خاصة من هنا أو إقليمية من هناك، يتربع بمفهومهم على عرش الوطنيّة. ومن يقدّم أكثر من خمسة عشر ألف شهيد ليحافظ على وطنه، ينعتونه بالعميل والمتصهين والمتأمرك أو حتّى المتأورب.

لقد جربنا كل أنواع الثّورات لننهض بوطننا، وحتى يومنا هذا لم نفلح بعد. ليس لأننا أطلقنا ثورة خاطئة أو بتوقيت خاطئ، بل لأنّ ثورتنا كانت دائماً بحاجة إلى من يواكبها روحياً. فهذه الروح التي بثها الأجداد فينا منذ زمن يوحنا مارون إلى زمن يوحنا خوند هي التي نحن بأمس الحاجة إليها.

ومن يقود هذه الثورة اليوم؟ كل شخص بَشَريٍّ على وجه الكرة الأرضية، انطلاقاً من مفاهيم النساك للحياة اليوميّة البسيطة، المنطلقة من التّراب الأسمر، والنّهر الهادر، وطيور السماء المرنّمة، والقرصعنة والصعتر وقلاية كل رابض في جرف صخري من هنا أو في وادٍ من هناك، مدعوٌّ ليكون قائداً لهذه الثّورة. فالعامل من مصنعه والمعلّم من مدرسته والمزارع من حقله والطّبيب من مشفاه والمحامي من مكتبه والجندي من جبهته والسياسي من مواقفه الوطنيّة، واللائحة تطول وتطول.

هي ثورة ليست ضدّ الكنيسة، بل ضدّ الذين وجّه إليهم قداسة البابا فرنسيس سهام الإنتقاد، الذين يركبون سيارات فاخرة وشعبهم يئنّ تحت نير أقساطهم المدرسيّة وعلى أبواب مستشفياتهم… هي ثورة ضدّ الكذب والدجل والإدعاء بالوطنية، ثورة ضد رهن مصير الوطن واستعماله ورقة ثمينة جداً في مفاوضات إقليميّة على حساب شعبه. هي ثورة ضد الفساد التي أطلق أولى بشائرها رئيس حزب “القوّات اللبنانيّة” في مشروع الحكومة الإلكترونيّة. هي ثورة ضدّ الجهل بالتوعية من مخاطر المخدّرات ودعم من يعمل لمكافحتها. هي ثورة ضدّ طيش الشبان الذين يموتون وراء مقود سيارات الموت السريع، ثورة ضدّ من يشربون كأس ويشربون ذويهم كؤوساً مدى الحياة. هي ثورة على من يحاولون كلّ يوم اغتيال الثورة الحقيقيّة من خلال تشويه صورة كل شهيد. هي ثورة تنطلق من الرّوحانية النسكية لتصب في الروحانية الإنسانيّة.

بكلّ بساطة، هذه هي ثورة النساك. وعلى كلّ مؤمن بمسيرة النساك في هذا الوطن أن يعمل لتحقيق هذه الثورة من خلال إيصالها إلى كل أهدافها. كل من موقعه مدعوٌّ لأن يكون ناسكاً ثائراً بصلاته أوّلا؛ لراحة نفس كل شهيد يصلّي، ولدمعة كلّ أمٍّ ثكلى يصلّي، ومن موقعه أيضاً مدعوٌّ لأن يعيش روحانيّة الحياة النسكية مع كلّ من يحيط به. وبغير هذه الثورة لا خلاص للبنان “الوطن” ولا للبنان “الإنسان”. وكل ثورة غير ثورة النساك ستبقى باطلة، لن تصل إلى مبتغاها، مهما اُطلِقت عليها من تسميات أيديولوجيّة أو حتّى اجتماعيّة. خلاصنا بثورة النساك ومن أينما بدأت تبدأ، فمقدَّرٌ جداً مُطلِقها، ومشكور لمبادرته، ولكن علينا المتابعة. ماذا وإلا… نكون قد غرسنا آخر مسمار في تراب وطن لن يعرف قيامته إلا بنمطيّة النسك مع ثورة النساك.

Category: Politics
You can follow any responses to this entry through the RSS 2.0 feed. Both comments and pings are currently closed.

Comments are closed.