Monday, September 07th, 2015 | Posted by:

469px-The_Evangelist_Matthew_Inspired_by_an_Angel

هذه مقتطفات من كتاب للكاهن الماروني يوسف الحلبي كتب على ما اعتقد في القرن الثامن عشر ويعطينا فكرة واضحة عن فكر اجدادنا في لبنان ونظرتهم الى امور العلم والدين والمعجزات ، امور لاتزال مدار جدال وتقييم حتى في يومنا هذا . وتعطينا نافذة تاريخية على مدى انفتاح العقل الماروني في ذاك الزمن التي كانت الخرافات والاساطير والاعراف هي التي تسود وتتحكم بمجتمعنا الشرقي حتى ضرب المثل بالموارنة فقيل ” عالم كماروني” ويعطينا فكرة ايضاً عن مدى تفهم كهنتهم للانجيل ورسالته اذ جاء في الانجيل “طوبى للذين آمنوا ولم يروا “يوحنا29:20.

” تأليف يوسف القس الحلبي الماروني “

اعلم ان ايضاح معاني نصوص الكتب الالهية يسمى تفسيراً . وايضاح نصوص كتب العلماء والقديسين يسمى شرحاً فيقال مثلاً تفسير الانجيل لا شرحه ويقال شرح مقالات كيرللوس الاسكندري لا تفسيرها .

* * * * * * * * * * *
( نفس المرجع ) صفحة 60 الى 62

اعلم ان العلم هو اقناع عقلي يتوصل به الى معرفة حقائق مجهولة عند الخصم ومن ثم ان العلم يفضل علم الايات والمعجزات من اثنى عشر وجهاً :

الاول : ان العلم يفضل المعجز من مزية مفعولاته وذلك لأن الله استفاد الناس الى الايمان بواسطة رسله واوليائه بضربين احدهما العلم والثاني عمل الايات . فالمنقادون بالايات هم اجهل الناس . والمنقادون بالعلم هم افضل الناس عقلاً وفهماً . فالمنقاد بالافضل هو الافضل والعلم اذاً هو افضل من المعجز .

الثاني : ان العلم يفضل المعجز من حيث ذاته لأن العلم بمنزلة معجز عقلي وعمل الايات بمنزلة معجز حسي ولما كان العقلي يفضل الحسي كان العلم يفضل الايات.

الثالث : ان العلم يفضل المعجز من حيث مزية اقناعه لأن العلم اقناع اختياري والمعجز اقناع اضطراري قهري والانقياد الى الايمان بالاختيار افضل من الانقياد اليه بالقهر

الرابع : ان العلم يفضل المعجز من حيث ثبات مفعولاته لأن المنقاد الى الايمان بالعلم لا يتغير عليه معتقده في شيء ابداً ما دام عقله صحيحاً والمنقاد الى الايمان بالمعجز ربما طرأ عليه التغيير بسبب ارتفاع الموجب وهو المعجز اما بطول الزمان واما بالنسيان .

الخامس : ان العلم يفضل المعجز من عدم حصره لأن المعجز لا يكون الا في مكان مخصوص وزمان مخصوص واما العلم فلا يتوقف على شيء من ذلك .

السادس : ان العلم يفضل المعجز من دفعه الشبه عن مفعولاته لأن الداخل الى الايمان بالعلم متى طرأ عليه شبهة في ايمانه امكنه اصلاح ذلك بقوة علمه والذي دخل الايمان بالمعجز لا يمكنه ذلك لأنه مقلد لا مبرهن .

السابع : ان العلم يفضل المعجز من حيث اشتهاره لأن العلم مستلزمه موجود في كل زمان ومكان فلهذا يمكن ان يدخلوا به الى الايمان في كل زمان ومكان والمعجز مستلزمه أي فاعله فليس كذلك .

الثامن : ان العلم يفضل المعجز لأنه متمم لأن الداخل الى الايمان بالمعجز لا يزال يطلب آية كما طلب اليهود من المسيح متى ص 16 ع 1 والداخل الى الايمان بالعلم فهو مكتف في ايمانه بالعلم والعلمأ والتفاسير .

التاسع : ان العلم يفضل المعجز من حيث الافتقار اليه لأن العلم يفتقر الانسان اليه قبل دخوله الى الايمان وبعد دخوله والمعجز ليس كذلك .

العاشر : ان العلم يفضل المعجز من عدم افتقاره لأن المعجز يفتقر الى العلم ليبين به الحق من الباطل في الآية واما العلم فلا يفتقر الى المعجز فالغير مفتقر خير من المفتقر .

الحادي عشر : ان العلم يفضل المعجز من حيث سلامة تصديقه لأن الايمان المأخوذ بمجرد فعل المعجز والنقل يكون ايماناً تسليمياً توفيقياً والتسليم تحت الوهم والظن والايمان المأخوذ عن العقل والعلم ايمان يقيني . واليقين هو الحق نفسه وما كان يقينياً يكون اصدق من الوهمي وقد حذرنا السيد المسيح من فاعلي الآيات بقوله انهم يفعلون آيات وعجايب ليضلوا المختارين ” مرقس ص 13 عدد 22 ” ولم يحذرنا من العلم بل قال فتشوا الكتب ” يوحنا ص 5 عدد 39 ” .

الثاني عشر : ان العلم يفضل المعجز لسداده لأن المعجز قد يتفق من اقوام غير مؤمنة لامر يشاؤه الله اما لاصلاح الفاعل واما لايمان المفعول لاجله كأولائك اللذين خبر عنهم يوحنا الرسول بقوله للسيد انا رأينا انساناً يخرج الشياطين بأسمك فمنعناه . وقد يتفق ايضاً للسحرة واصحاب السيميا والنيرنجيات ان يعملوا اعاجيب خيالية او متصنعة ببعض العقاقير وغيرها او بقوة شيطانية كسحرة فرعون ” الخروج ص 7 عدد 12 ” فيقع حينئذ الارتياب في المعجز ما بين تكذيبه وتصديقه . اما العلم فلا يحصل فيه شيء من هذا الارتياب لأنه يقيني مُدرَك بالعقل الناطق .

*******************************
المرجع نفسه صفحة 62 الى 65

ثم العلم لما كان فضيلة تتعلق بالعلماء وكان العلم شعارهم كانوا به فاضلين ممدوحين ويفضلون سواهم ولا سيما اذا كانوا عاملين لأن تمام العلم بالعمل فالعلماء اذاً يفضلون بعشرة اشياء :

الأول : ان الله ميز العلماء بالاكرام والاحترام لأجل المناقب الفاضلة المقدم ذكرها في فضل العلم لأن الشجر يزدان بالثمر وبه تحمد وتشكر كقوله تعالى ان الشجرة تعرف من ثمارها ” متى ص 7 عدد 20 ” هكذا فضل العالم فأنه يعرف من فضل علمه لا سيما اذا كان عاملاً

الثاني : ان الله جعل رتية العلماء في الدرجة الثالثة في بيعته وقدمهم على اولي المعجزات كقول الرسول ” ان الله وضع في بيئته اولاً الرسل ثم الأنبياء ثم المعلمين ثم صانعي الآيات ” قورنثية اولى ص 12 عدد 28 ” فمن ثم يجب احترام المعلم وتوقيره وقبول علمه وقوله كاحترام الرسل والأنبياء وقبول قولهم لا سيما اذا كان عاملاً .

الثالث : ان الرسل والانبياء وضعوا اساس الايمان في جزء من الزمان واما العلماء فقد شيدوا فوق هذا الاساس الوطيد بنياناً شامخاً بعلمهم في كل زمان. فمن ثم يجب ان نتمسك بالعالم في كل حين لنكمل به نقص ايماننا ونعضد بتعليمه ضعف يقيننا . ونكافح التجارب والشيطان بعصا تهذيبه ونقتدي به لا سيما اذا كان عاملاً .

الرابع : ان الرسل والأنبياء قد ماتوا ولم يبقى في الوجود غير اخبارهم في كتبهم واما العلماء فلا يمكن انقطاعهم من العالم فهم متسلسلون واحد بعد الاخر. وان الروح الذي كان في اولئك هو نفسه في خلفايهم كقوله تعالى ” واني معكم الى انقضاء العالم حقاً ” متى ص 28 عدد 20 ” فلنا ان نرى في كل عالم صورة رسول ونبي ولا سيما اذا كان عاملاً .

الخامس : ان كتب الرسل والانبياء تنطوي على رموز والغاز وامثال ومشكلات غامضة عويصة فمن تدين بظواهرها ساء اعتقاده وضل عن الحق نفسه كما ضل لوتاروس وكلوبن وغيرهم من المبتدعين حين اخذوا الكتب السماوية على ظاهرها فما اصابوا مقاصدها ولا اغراضها . اما العلماء فقد دفعوا عنا هذا المحذور بعلمهم في تفسيرها لنا وحل مشكلاتها فالعالم اذاً ترجمان الله وعليه المعول ولا سيما اذا كان عاملاً .

السادس : ان كتب الرسل والانبياء مفتقرة الى علم العلماء ليوضحوا لنا الحق الذي فيها ولهذا قيل ان العلماء ورثة الانبياء والوارث له ما للموروث فالعالم اذاً له ما للأنبياء ، وهو معاني كتبهم النبوية لا سيما اذا كان عاملاً .

السابع : ان العلماء في الارض خلفاء الرسل والانبياء فلولا وجود العلماء لوجب ان يكون في كال مكان وزمان رسول ونبي . لان العالم في عمله بمنزلة الرسول والنبي لا سيما اذا كان عاملاً .

الثامن : ان العلماء هم قهارمة بيت مال الله الروحي ومن ذخائره يقيتون الجياع والعطاش الى البر ” متى ص 5 ” فالعالم اذاً قهرمان الله لا سيما اذا كان عاملاً .

التاسع : ان العلماء هم مدرسة بيعة الله وفيها تنشؤ وتتربى اولاد الايمان فترى منهم احباراً ورؤساء وكهنة ورهباناً واراكنة ومدبرين ومرشدين . وذوي فضائل ومناقب ومجاهدين ومنتصرين . ولن يوجد للشيطان ضد يخذله دائماً مثل العالم لا سيما اذا كان عاملاً .

العاشر : ان الرسل القديسين رتبوا العلماء في البيعة دائماً وامروا ان لا يقام اسقف او قس الا ان يكون عالماً . وان تضاعف الكرامة لمن يواظب منهم على التعليم ” تيموثاوس اولى ص 5 عدد 17 ” ” تيموثاوس اولى ص 30 عدد 2 ” والزموا المؤمنين بطاعتهم والاذعان لهم ولهذا يقول بولس الرسول ” اطيعوا مدبريكم واسمعوا لهم فأنهم بمنزلة من يعطي الجواب عنكم – عبرانيين ص 13 عدد 17 ” فالرسل الاطهار اقاموا العلماء في البيعة مقام انفسهم وامرونا ان نهتدي بهم في ايماننا واعمالنا . لهذا اوجب علينا قبول المجامع البيعية التي اجتمعت منهم بعد الرسل على المبتدعين وان نقبلها كلها وان نطيع ونذعن ما رسموه فيها وامروا به بأمر رأس بيعة الله ونسلم للقوانين والحدود التي وضعوها وان نتدين بموضوعاتهم في الايمان السديد الذي اثبتوا صحته فيها .

**********************************

نفس المرجع صفحة 73

اعلم ان خطاب الله مع البشر يكون بثلاثة انواع :

الاول : انه تعالى يخاطب الناس عن باطن او الهام اما انه يطبع خطابه في المخيلة بواسطة ملك او انه يطبعه في العقل بذاته بغير واسطة .

الثاني : انه يخاطبهم ظاهراُ بتوسط ملك .

الثالث : انه يخاطبهم ظاهراً بذاته كما ظهر لبولس وجذبه للايمان فيكون الثالث اشرف من الثاني والثاني افضل من الاول .

**********************************

هذه مقتطفات قليلة من كتاب نادراكتشفته في المكتبة الشرقية في احدى سني الحرب من نتاج الفكراللبناني المهمش والمنسي لعقود طويلة. ربما بسبب تلهينا كشعب بالمعلقات السياسية التافهة التي نقرأها ونتمحص بها كل يوم. او بسبب رواج الكتب المبتزلة الفارغة التي تعطينا الاجوبة معلبة بدون العملية التوالدية الابداعية الاستشراقية. او بسبب اننا اذا نبشنا خزائن الماضي لنستفيد منها ونتمثل بها في حاضرنا فأننا نبحث بشغف عن بذور التخلف والتعصب وعما يثير الغرائز وينكاء النعرات، وليس عن جذور الابداع التي تشدنا الى بعضنا كمجتمع. اوعن مساحات التجربة المشتركة التي طورتنا في جغرافيا واحدة موحدة وتاريخ اطرناه ونحتناه نحن بايدينا ولو متباعدين ومتفرقين كاعمدة الهيكل وبالتالي اعطانا طابع مشترك نرفض ان نراه او ان نحتضنه ولو عن سبيل التجربة.

أنا ارى ان ما يجمعنا كلبنانيين هو اكثر بكثير (وبما لا يقاس) مما يفرقنا ولكن علينا ان نتخلى عن محدودياتنا ونبحث عن الحقيقة بقلب مؤمن واثق لنرى الجانب الحقيقي والمشرق من ذواتنا. واول الغيث هو البداء باكتشاف تاريخنا وماضينا ( ماضي كل فئة من مكونات الشعب اللبناني) في كتب التاريخ والفكر. في خطوة لاكتشاف انفسنا واكتشاف الاخر الذي يشاركنا الوطن. وتكوين فكرة متجددة ومتجردة وحقيقية عنا كشعب وحدته التجربة المشتركة الطويلة، لا تدخل فيها بذور دسائس الابعدون، ولا سوداوية وعدوانية الاقربون. وهذه محاولة صغيرة جداً ومتواضعة في هذا الاتجاه.
ادمون الشدياق

Category: Politics
You can follow any responses to this entry through the RSS 2.0 feed. Both comments and pings are currently closed.

Comments are closed.