Monday, August 15th, 2011 | Posted by:

بقلم ادوار حنين

القيت في ” الندوة اللبنانية ” في شباط سنة 1960 ، ونشرت في ” محاضرات الندوة ” السنة الرابعة عشرة ، 1 – 2 كانون الثاني – شباط 1960 .

سيداتي سادتي ،

” عبر من التاريخ اللبناني ” موضوع محاضرة الليلة ، حلقة من سلسلة محاضرات هذا الموسم التي عنوانها : ” في صميم الحاضر اللبناني ” .

من عبر التاريخ في صميم الحاضر مظهر للتناقض الحبيب الذي يميز صديقي ميشال أسمر دون الرفاق جميعاً ، أو هو أحد من وجوه العجب والاعجاب اللذين ما برح ميشال أسمر ينتزعهما انتزاعاً من رفاقه ومحبيه .

وهو ، وحده ، بين جميع من أعرف يقبل عليك وكأن رأسه مدار الى الوراء ، أو يدبر عنك وكأن رأسه مدار اليك . وهو ، وحده ، بين جميع من أعرف ، أستطاع أن يلتقي كل انسان على كل شيء دون أن يحيد قيد شعرة عن طريقه ، ودون أن يطرح مثقال ذرة من أطنان ما به يعتقد ، وما به يؤمن ويدين .

عبر من التاريخ اللبناني . هذا يفرض ، بداهة ، أن صاحب الكلام في مثل هذا الموضوع يؤمن بالتاريخ يرشد ويعلّـم ، اذ يستخلص منصميم الماضي خطة في صميم الحاضر .

على أنّ التاريخ ، في الرأي المعاصر ، بعد أن قفزت الانسانية في عالم الغد قفزاً يكاد يكون مدوخاً فقارب أن تنقطّع أوصالها مع الأمس الذي عَبر ، بات هذا التاريخ شيئاً من إنسان وضيع ، ابن نعمة تجاوزته النعمة ، عاجز على اللحاق بالذين سبقوه ، في كل طريق ، مشغول بيومه ن قاصر على التنبؤ بما سيكون غداً ، يقول عن نفسه ما تصور شارل بيغي أن يقول : ” يحسبون أني محكمة . بئس المحكمة التي يحسبون ! ويحسبون أني القاضي ، على أني لست أكثر من كاتب ضبط أتولى تسجيل الوقائع ” .

حتى أن بعضهم تمادى في الاعتقاد بأن الانسانية ، في مشيها الصاعد أبداً الى عوالم جديدة ، صار يعيقها التلفت الى الوراء ، لحد ان راح أمثال تيودور مند يكتبون تاريخ المستقبل .

ومع ذلك ، أنا من قضى عمره خادماً في هيكل التاريخ ، ما زلت أجد طمأنينتي حيثما وجد الجدود طمأنينتهم ، وقلقي حيثما كانوا يقلقون . أنظر الى التاريخ نظرة الأبن الى أبيه . فان لم يكن له مرشداً ومعلماً في كل شيء فهو المرشد والمعلم في شؤون عائلته وبيته ، يعرف على ما أسست الدار والعماد عليها تقوم ، يعرف ركائز القوة ومواضع الخور ، يعرف منافذ الشمس ومسالك الهواء ، جوانب البؤس ومطارح الهناء ، أين كان فراش الموت لبانيها ، سرير الوضع ، مهد الطفولة ، ديوان العتاب ، طرّاحة السمر ، قاعة المصالحات لساكنيها .

أنظر الى التاريخ صلة وصل بين جيل وجيل ، خبز السالف للخالف ، شميم القدوة ، طريق الاستمرار ، وحكاية الأبرار الجدود والطيبات الأمهات التي هي أروع حكاية .

وأشم في التاريخ رائحة الحبيب ، إذا ما من محب ّ لا يجد حلاوة في التعرف الى كيف جاء الحبيب الى الأرض ؟ أين ومتى ؟ كيف عاش وفي أي حال ؟ أي درب مشى ؟ أي سنديانة استظل ؟ أي ينبوع غسل فيه وجهه وقدميه ؟ على يد أي جدة غفا ، على أي أمّ أفاق ؟ أي أنشودة هدهدت غفوة في سريره ؟ أي بشاعات حببت إليه الجمال ، وأي جمال ترقرق في نفسه فراح يتعبّـد للجمال ؟

هكذا أنظر الى التاريخ ، تاريخ بلادي . وهكذا ينظر معي رفيق اعمر الاسمر الى موضوعه ، موضوعي الليلة ، فتعايش الأجيال التي سبقت ، أجدادكم ، وأجدادي ، ساعة من الزمن ، نتشمم فيها رائحة المروءات والحلاوات ، نستقرئ ، نستنتج ، ونستدل ، فتحلو لنا الساعة ، وقد يكون لنا من التاريخ عبر .

أجمع الرحالة والمؤرخون العرب ، صالح بن يحيى ، أبن بطوطة ، وابن عساكر ، على أن كان لبنان ، أوائل القرن الرابع عشر ، كثيف الغابات ، غزير المياه ، يعيش أبناؤه من جنى الارض وصيد الحيوان الكثير الذي كان يؤهل أحراجه وغاباته . يكثر في جباله وأوديته النساك والمتصوفون المتجردون من متاع الدنيا . فكان ، من أجل هذا ، وبالاضافة الى وعورة جباله ، وتعقّـد مسالكها ، أرضاً نادرة المثيل تحتمي فيها الجماعات التي كانت لا تجد لها قدرة على الحماية في كثرة عدد أفرادها . وهو ما استهوى الدروز في التسلّـل إليه عبر صحراء سينا .

كما استهوى تلامذة مار مارون وأنصارهم في التسلّـل إليه عبر مفارز الشمال ، واستهوى عشائر المتاولة في التسلّـل إليه عبر وادي الليطاني .

وإذا الزحف الشيعي يدفع الدروز من الجنوب الى الشمال ، فيلجاْ هؤلاء الى الشوف ، ثم يشتد دفع الشيعة للدروز فيلتووا على المتن وكسروان . يقابل ذلك زحف من الشمال ، وئيد ، ناحية البترون وبلاد جبيل وكسروان ، حتى يستقر الموارنة والمتاولة والدروز في مثل أوضاعهم ، اليوم ، تقريباً ، من الجبل اللبناني .

وإذا لبنان ، منذ ما يزيد على السبعمائة سنة ، يتخذ الطابع الفريد الذي يجعل منه ملجاء الاقليات الفازعة من بلادها إليه .

ثم يكرّ الزمن على حكم المماليك الذي جاء في عقبه حكم العثمانيين ، فتقسم هذه الرقعة من الارض التي بين جبل طوروس ، وصحراء سينا ، والصحراء العربية ، والابيض المتوسط ، الى ثلاثة باشويات .

الاولى ، على رأسها دمشق ، مؤلفة من عشرة سناجق ، أهمها : أورشليم ، غزة ، نابلس ، تدمر ، صيدا وبيروت .

والثانية ، على رأسها طرابلس ، مؤلفة من خمسة سناجق : طرابلس ، حمص ، حماه ، السليمية ، وجبلة .

والثالثة ، باشوية حلب المؤلفة من تسعة سناجق تخضع لها سوريا الوسطى جميعاً .

في ذلك الزمن كان الباشاوات والأغاوات ، حكام المناطق والسناجق ، يقتتلون ويتحاربون كما لو كل واحد منهم حاكماً بأمره ولحسابه بحيث ان الحاكم الذي يعيّـن على رأس واحدة من الباشوات، أو واحد من السناجق كان يجد نفسه مضطراً ان يقيل سلفه بقوة الجندوالسلاح . وما إن تستقر به الحال حتى يجد نفسه مضطراً لصد الخلف عن الاستلام بقوة الجند والسلاح .

وعندما نعلم أنه تقلّـب على باشوية دمشق ، التي كان لبنان على حدودها ، مائة وثلاثة وثلاثون حاكماً في مدى مائة وأربع وثمانين سنة نعلم ، إذ ذاك ، كيف كان يحكم الباشوات ، فيرهقوا الأهلين بالضرائب ، وتتوالى على ايديهم المظالم والمتاعب ، تحصيلاً للمال الذي يكونون قد اسلفوه ثمناً لتوليتهم ، وللمال الذي كان عليهم ان يختزنوه لشراء الولاية الجديدة ، ونعلم ، بالتالي ، كم يجب ان يكون وفيراً عدد المضطهدين والمظلومين والمروعين .

أو عندما نعلم أنّ باشوية حلب التي كانت تحسب 3200 قرية في عداد القرى المسجلة على جدول الضرائب ضمن نطاقها ، منيت بهجرة ، من جراء الظلم والتعسف والاضطهاد ، بحيث تدنى عدد هذه القرى فأصبح 400 قرية في أواخر القرن الثامن عشر ، وأوائل القرن الذي يليه ، نعلم ، إذ ذاك ، كيف كان لبنان ، لهؤلأ جميعاً ، وهو في عهدة أمراء من أبنائه ، ملجأ وملاذاً ، فنعلم ، بالتالي ، كيف كان مجيء الأقلية السنية ، عهد ذلك ، والأقليات المنوعة الأخرى ، الى لبنان ، ونعلم أنّـها فئات ، هي أيضاً ، من المضطهدين والمروعين الفازعين من ديارهم إليه .

حتى انّ الأمير قرقماز ، والد فخر الدين المعني ، أضاع ملكه عليه ، وهلك من الهم أو السمّ ، في السنة 1585 ، لأنه ألجأ الى لبنان جماعة ظُنّ أنّهم هم الذين اعتدوا ، في جون عكار ، على قافلة الانكشارية التي كانت تنقل الى اسطنبول صندوقة المال المتجمّـع من جباية الضرائب في مصر والبلاد السورية .

وحتى أنّ الأب لامنس لم يرَ مفراً من القول :

” إنّ الامراء الشهابيين قد سهروا ، بغيرة فائقة المثيل ، على أن يظل لبنان محافظاً على رسالته الفريدة في أن يكون ملجاء وملاذاً . وقد عرف الشهابيون أن يفرضوا احترام هذه الرسالة على ألدّ أعدائها وأعند معانديها من الذين كانوا يمثّلون ، بينهم أو في جوارهم ، الباب العالي ” .

وتبقى أرض لبنان ما هي ، ملجاء وملاذاً ، في عهود المتصرفية والانتداب والاستقلال ، الى ان اتهم ، في الزمن الاخير ، بأنه وكر للتأمر على دولة عربية شقيقة ، الامر الذي حمل وفد لبنان على أن يوضح باسمكم في بنغازي ، الحقيقة اللبنانية الأولى :

” لبنان ملجاء وملاذاً . وهو يجد في هذا أحد مبرّرات وجوده . أما إذا كان يلجئ اليوم ، “هؤلأ ” فقد يلجئ ” غيرهم ” غداً ” .

إنها عبرة التاريخ .

سيداتي ، سادتي ،

جبال من الرفعة كأنها عواميد السماء تتلألأ على ذراها النجوم مصابيح مصابيح . استطاب مناخها العالي نسور وقلة من الناس . لأن النسور وهذه القلة من الناس لا تستطيع أن تتحلق أسراباً في مثل أسراب الزرازير . تشوقها القمم العالية من حيث تستطيع أن تنطلق في الفضاء الرحب ، لا قيد غير الذي تفرضه عليها قدرة الجناح ومدّ النفس .

هذه القلة من الناس كان مطلبها الأول الاحتماء في الجبال الشامخة ، بغية الحياة الحرّة الكريمة الأبية ؛
هذه القلة من الناس ، في أشد ما وصل إليه حكم المماليك والعثمانيين من ظلم وطغيان ، لم يستطع ظالم طاغ أن يسترقها ، أو يستعبد واحداً منها . حتى قبل ذلك : من أبعد عهود الرومان والاغريق إلى أبعد عهود الفينيقيين الواضحة المعالم ، لم نرَ في الوقوعات التاريخية ، في كل ما كتب ومثل ونقش ، أنّ العبودية ، وقد كانت بضاعة رائجة في مراحل كثيرة طويلة من عمر الانسان ، قد تخطت حدود هذا الجبل العاتي ، أو كان لها رواج فيه .

بل أنّ أبناء هذا الجبل ، في مختلف عصورهم وعهودهم ، لم يرغبوا أن يكون لهم عبيد كما كان لغيرهم من أسياد الأرض – وقد كانوا ، هم أسيادها في حين – ، أن يكون لهم عبيد من المغلوبين على أمرهم ، أو من الخصيان والجواري والمستسلمين .

حتى أنّ الاقطاعية اللبنانية ، يوم كانت كل اقطاعية في العالم تملك الأرض ومن على الأرض ، كانت أرفق اقطاعية وأرحمها جميعاً ، إذ كان الفلاح اللبناني يبيع أرضه من رجال الاقطاع ويشتري من رجال الاقطاع أرضهم . وهل كان في لبنان إقطاعي أوسع إقطاعاً وأشد سطوة من البشير الكبير ؟ ومع ذلك وجد نفسه مضطراً ، عندما أراد أن يجرّ مياه نبع القاع إلى قصر بيت الدين ، أن يشتري من الفلاحين ، رعاياه ، أرض القناة بصكوك ما زالت محفوظة في كرسي أبرشية صيدا ، ببيت الدين .

هذه القلّة من الناس كانت تجد حريتها في أن تـُحكم على يد حكام منها ، يوم كان الحكم في جميع الولايات المحيطة بها بيد الباشوات والأغاوات والولاة العثمانيين :

هذا ما يشرح قيام المقدّمين ، في الشمال ، منذ عهد المماليك ، واستمرارهم على عهد العثمانيين بموجب اّتفاق قبل فيه ممثّل الباب العالي على ألا يخضع الجبل الشمالي لولاية طرابلس ؛
وهذا ما يشرح قيام الاقطاعية في لبنان التي كانت ، في الاصل ، خيراً وبركة لأنها كانت من أجل أن يحكم الشعب حكام من الشعب ؛

وهذا ما يشرح قيام الامارة في لبنان التي كان يتولاها ، عادة ، كبير الاقطاعيين اللبنانيين ؛

وهذا ما يشرح انهيار حكم عمر أفندي العثماني المباشر ، في أقلّ من عمر الزهور ، بعد أن تداعت الامارة الشهابية … ويشرح إجماع اللبنانيين ، بمن فيهم أعداء الأمير بشير الألدّاء ، على المطالبة بالعودة إلى عهد
الامارة ؛

وهذا ما يشرح تقسيم لبنان إلى قائم مقاميتين ، على رأس كل واحدة منهما قائم مقام لبناني ، بعد أن استحالت العودة إلى حكم حاكم واحد من الأمراء الشهابيين ؛

وهذا ما يشرح قيام المجلس الاداري المنتخب ، إلى جانب المتصرف ، في عهد المتصرفية ، وفشل الحكم الفرنسي المباشر ، واقتناع الانتداب بأن يسلّم الحكم إلى لبنانيين من ضمن نظام كان قد حار كثيراّ قبل أن يستقر في قلب الديمقراطية البرلمانية ؛

وهذا ما يشرح قول ، فولناي الرحالة الفرنسي :

” أن كثافة عدد السكان في لبنان تزيد عن كثافة عددهم في أحسن مقاطعاتنا الفرنسية . وأرى سبباً لهذا ذلك الشعاع من الحرية الذي يلتمع ويشع دائماً في لبنان . ففي لبنان ، على خلاف ما هو جار في البلاد العثمانية ، يتمتع كلّ إنسان ، في أحضان السلامة والأمان ، بملكه وبحياته . وقد لا يكون الفلاح اللبناني أوفر يسراً من غيره إلا انه يستمتع بالطمأنينة والراحة ” ؛ وهذا ما يشرح قول لامرتين بعد أن طوّف في الشرق :

” وجدت رجلاً في مصر وفي لبنان شعباً ” .

هذه القلة من الناس لا تطيق الجور والتعسّـف ، فكانت تتنادى إلى ” العاميات ” كلما زيدت عليها الضرائب ( عامية لحفد ) أو سيمت بظلم ( عامية الباروك ) فتسقط الأمير الحاكم اقتصاصاً منه ، وعبرة للخلف القادم ؛ هذه القلّة من الناس لا تطيق السخرة والتحكّـم . فعندما أوجبت ضرورة الفتح على ابراهيم باشا أن يقيم القلاع والحصون في المناطق المحتلة ، فرأى مصادرة بغال المكارين اللبنانيين وحميرهم لجاء هؤلاء ، في مثل إتّـفاق شامل ، إلى قتل بغالهم وحميرهم بأن راحوا يقذفونها من شاهق الى الحضيض الواطئ . ثم رأى تسخيرهم في أعمال البناء والجند فتداعوا إلى مقاومة الظالم ، بنداء وزّع على جميع القرى والدساكر ، هذا بعضه :

” أيها المواطنون الأعزاء ،

” في علم جميعكم المظالم التي أنزلتها الحكومة المصرية ، والضرائب الباهظة ، والمعاناة ، وضروب الاستعباد التي رزحت تحتها سوريا بأسرها وقد جرّت الخراب على كثير من العيال . على أن سكان لبنان ، رغماً عمّـا هم عليه من الأنفة وروح الاستقلال ، احتملوا بصبر مظالم السلطة الجائرة مراعاة لخاطر الأمير بشير الشهابي على أمل أن يضمن لهم صبرهم هذا حفظ شرفهم وحريّتـهم وكيانهم … “

وبعد الإشارة إلى الذين ثاروا للمظالم وقهروا وماتوا يقول النداء :

” فلترقد بسلام رفاة إخواننا الذين ماتوا في سبيل الحرية “.

ويستطرد النداء فيقول :

” وبما أن الموت ينزل بالذين ينتظرونه جبناً في بيوتهم كما ينزل بالذين يقومون لرفع نير الظلم عنهم فلا تترددوا … “

إلى أن قال في الختام :

” … أما نحن فإن عزيمتنا وطيدة لا تتزعزع فقد أقسمنا على استعادة استقلالنا وحريتنا أو نموت في هذا السبيل “.
وقد خُـتم على هذا النداء والاجتماع العام الذي جرّ إليه بقسم اليمين الشهيرة ، بين المحمّديين والمسيحيين ، في مار الياس انطلياس ، وكان من نتيجة ذلك جلاء الظلم والظالمين في السنة 1840 .

هذه القلة من الناس التي قام من مشايخ شبابها ، بقيادة طانيوس شاهين ، مَـن ضرب أوّل معول في صرح الاقطاعية اللبنانية ، بعد أن تحوّلت عن غايتها الأولى ، وزالت الجدوى من قيامها ، واستقرّ حكم البلاد في يد أبناء البلاد ، هذه القلة من الناس التي تداعى ممثلوها أعضاء مجلس الادارة ، في عهد المتصرفية ، فيما كان لبنان ينفض عنه غبار المجاعة والدمار ، ويدفع شبح الموت الجائر ، إلى اجتماع أعلنوا فيه ” استقلال لبنان المطلق ” بوثيقة أطلعها لنا الصديق يوسف ابراهيم يزبك من مجفوظاته لنقراء بعضها عليكم :

” إنه لما كان اللبنانيون ، منذ أعلنت الدول العظمى حق إنشاء الحكومة الوطنية لشعوب هذه البلاد ، قد طلبوا ، وما زالوا يطلبون ، تأييد حقوقهم بتأسيس حكومة وطنية مستقلة ،
” ولما كان استقلال جبل لبنان ثابتاً تاريخياً ، ومعروفاً منذ أجيال طويلة ،
” وكان موقعه وطبيعة أهاليه المؤالفة للحرية الاستقلالية منذ القديم ،
” كلّـه مما يستلزم استقلاله وحياده السياسي أيضاً ، لوقايته من المطامع والطوارئ ،
” وكان ، مع ذلك ، من أهم مصالحه وراحة شعبه الوفاق وصفاء العلاقات مع مجاوريه ،
” لذلك نقرّر … “

ثم تلى المقررات الخمسة التي أهمها : استقلال لبنان التام المطلق وحياده السياسي ، وإعادة المسلوخ إليه .

هذه القلة من الناس التي ظلت في صراع دائم مع العثمانيين فالفرنسيين تستنهض العرب للمطالبة بالانفصال عن جسم الامبراطورية العثمانية الشائخ ، تنشئ لهم الجمعيات ، تضع على شفاههم الخطب والقصائد ، تدعو باسمهم إلى المؤتمرات ، تفاوض الدول ، تتعاهد معها وتتعاقد ، تستنفر الشعوب الحرّة ، تستنجد بها وتلحّ . ثم تكون أوّل قلة تتجنّـد للمطالبة بالجلاء ، فيجلو عن أرضها المنتدب ؛

هذه القلّة من الناس التي تنبت لها أجنحة ، ولا تنبت لها إلا لتطير من الظلم ، عهد عبد الحميد ؛
هذه القلة من الناس دينها دينان :

ما أمر به الله ، سبحانه ،

والحرية

على أن هذه القلة من الناس اتهمت ، في الزمن الأخير ، بأنها عميلة الاستعمار ، وتمهّـدوصوله إلى الجار ، الأمر الذي حمل وفد لبنان على أن يوضح ، باسمكم ، في بنغازي ، الحقيقة اللبنانية الثانية :

” لبنان أرض الحرية ومعقل الأحرار . صلاته النابعة من أعماق أعماقه :

أللهم أعطني الحرية ولا تعطنيها لوحدي . لكي يتذوّق طعمها كلّ شقيق جار ، فتسلم حرّيتي ، ويسلم ! “

إنّـها عبرة التاريخ .

Category: Politics
You can follow any responses to this entry through the RSS 2.0 feed. Both comments and pings are currently closed.

Comments are closed.