Monday, April 20th, 2015 | Posted by:


بقلم ادمون الشدياق

لشهر نيسان طعم مرارة تحت أضراس اللبنانيين ففي 1 نيسان 1367 أمر المماليك بحرق البطريرك جبرائيل حجولا حياً خارج مدينة طرابلس ، وفي 13 نيسان 1635 اعدم الأتراك الأمير فخر الدين المعني ، وفي أوائل نيسان اندلعت فتنة 1860 ، وفي 13 نيسان 1975 اندلعت حرب الآخرين على لبنان .

 وتحديداً في 21 نيسان 1994 اعتقل الدكتور سمير جعجع قائد القوات اللبنانية واكتملت بذلك حلقة النار التي ابتدأت في نيسانات غابرة ، وأثبت نيسان مرة أخرى بأنه وأن ابتداء دائماً بكذبة طريفة وبسمة ، انتهى بحقيقة مرة ودمعة.

21 نيسان هو يوم الأسير … يوم سمير جعجع … يوم لبنان.

هو يوم الأسير لأن اللبناني اليوم ، أي لبناني هو أسير إذا لم يكن في زنزانة سورية ضيقة خارج الأراضي اللبنانية ، فهو نزيل الزنزانة السورية الكبرى ، لبنان.

هذه الزنزانة التي كان يعين عليها حارس مأمور كل ست سنوات ليبقي العيون التي تكحلت بضياء الحق معصوبة والشفاه التي تمتمت بسفر المقاومة مكتومة والأيدي التي حملت راية الحرية مكبلة.

21 نيسان هو يوم كل لبناني لأن اللبناني اليوم أسير وطن موقوف ، وتاريخ محظور، وهوية مزورة ، وحضارة مغيبة ، وتعددية منحورة ، ومسؤولين مأجورين ، واقتصاد فخخته سوريا ، ومد صحراوي متزمت لا يستكين ، ونظام عالمي جديد لامبالي.

اللبناني اليوم أسير، لأنه يغلي ولا يفـور ، يفكـر ولا يجرؤ على الكلام ، مسلوب الحـق ولا يطالب ، نشيط ولكن بلا عمل ، متجذر ولكن بلا أفق ، يسمع بالديمقراطية ولا يراها ، ورث تركة قدموس ويجبر على توريث تركة يعرب وزرادشت وأحفادهما . وحتى ذاك اليوم الذي تعود للبناني حريته وكرامته سيبقى 21 نيسان في ضميرنا صدى يذكرنا بدماء الشهداء وبقسم المقاوم.

21نيسان يوم الأسير هو يوم سمير جعجع وسمير جعجع بالذات ، ليس لأن سمير جعجع كان أسير نظام مرتهن وعميل فقط ، ولكن لأن سمير جعجع اختار أغلاله وزنزانته بملء إرادته.

سمير جعجع اختار أغلاله وزنزانته بملء إرادته ، لأنه كان وما زال يؤمن بأن حرية الروح أعظم من حرية الجسد ، وأن التمسك بالمبادئ أهم من التمسك بالمكاسب ، وأن قوة الالتزام أقوى من قوة الارتهان ، وبأن لا حرية شخصية بدون حرية الوطن.

21نيسان يوم الأسير هو يوم سمير جعجع. لأن سمير جعجع عندما اختار أغلاله وزنزانته بملء إرادته أصبح رمزاً لكل سمعان قيرواني في لبنان يستطيب أن يرفع على كتفه صليب لبنان ولو لبرهة من عمر الزمن. وأصبح مسار قدميه طريقاً يلجها طالبي الحرية والسيادة والاستقلال وكل القوافل التي ولجت تلك الطريق بكل ثقة وأيمان لتصل يوماً إلى ميلاد حرية لبنان.

21 نيسان يوم الأسير هو يوم لبنان. لأن لبنان هو الأسير الأعظم. لبنان هو الأسير الأعظم لأنه وأن كان لكل من أبنائه جوزاً واحد من الأغلال فللبنان أغلال كثيرة أقساها ثلاثة:

1- أول أغلال لبنان الأسير هو فئة كبيرة من أبنائه. فبالرغم من أن الكثير من اللبنانيين قدموا دمائهم وحريتهم على محراب وطنهم ، فأن هناك فئة كبيرة أخرى تتعامل مع وطنها من منطلقات ومسلمات مختلفة تماماً. هذه الفئة ( وهي بالمناسبة ليست تابعة لطائفة أو مجموعة معينة) تقسم إلى قسمين :

القسم الأول لا يؤمن أصلاً بوجود لبنان كدولة مستقلة قائمة بحد ذاتها ، غير منعوتة إلا بذاتها، ذات تراث مميز ، فاعل وأصيل. ولذلك فهو في حركة دائمة لضم لبنان إلى حضارة ما أو دولة ما أو أمة ما. فتطالعك أسماء وأسماء ( حضارة عربية ، أمة عربية ، سوريـة كبرى ، سوريـة صغرى ، هـلال خصيب ، جمهوريـة عربيـة متحدة ، جمهوريـة إسلامية … الخ )

القسم الثاني يتعامل مع لبنان وكأنه سهم من أسهم البورصة فإذا كان سعره مرتفع وبداء بالهبوط يبيعونه وأن كان سعره منخفض وبداء بالارتفاع يشترونه . فالولاء الوطني تتحكم به حركة السوق . والسوق عرض وطلب. والشاطر بشطارته. ومين اخد امي بيصير عمي . ومتسلط دمشق شهبندر التجار ، وباش بزق الضاحية قائد الإنكشارية ، وصراف قريطم حارس بيت المال، ونرفوز الرابية باش كاتب الديوان.

2- ثاني أغلال لبنان الأسير هو محيطه. فبينما نجد بأن الله حبا لبنان بطبيعة خلابة وينابيع فوارة وتاريخ مديد وإنجازات حضارية فريدة ، لكن ابتلاه بمحيط جاف ، قاسي تعبق منه روائح نتانة التطرف والتخلف والقبلية والجاهلية. محيط لا يعترف إلا بحضارة البلنكو والأسيد وأعقاب السجائر وصعقات الكهرباء. محيط لا يحكم فيه إلا الجلاد، ولا حرية فيه إلا للموالاة ، ولا نظام فيه إلا نظام التقية. محيط أصبح مقبرة للتاريخ وللحضارة وليس من علامة للحياة فيه سوى زهرة بخور مريم واحدة اسمها لبنان تختنق من نتانة الجيف.

3- ثالث أغلال لبنان الأسير هو النظام العالمي. هذا النظام المتحكم برقاب الشعوب ومصائرها. يأطرها ويكودرها طبقاً لحسابات ربحه وخسارته. نظام نرسيسي يؤله صورته ومثاله ، كلما ماثلة هذه الصورة كلما رضي عنك وأعتبرك خليقاً بالحياة. ينادي بحقوق الشعوب والإنسان وحتى الحيوان ويرفع راية الحرية ، وعنده أقوى جيوش الأرض في حال أن تقارير جمعياته لم تقنعك بما فيه الكفاية. يتآمر مع إسرائيل ويساوم مع سورية ويمالق أبو مازن والثمن أمنك وأرضك ومن ثم تتنادى جمعيات حقوق إنسانه لتحصي على الذين يحتلون ارضك والمعتدين خروقا تهم.

ممثلي الشرق يتناهشون وممثلي الغرب يدونون ويبوبون ولبنان يقبع في زنزانته بجسم منهوش وأغلال كثيرة تحز على معصميه حتى العظم ينتظر الفرج ويتطلع إلى البعيد إلى أقدام جليلي مصلوب ينتظر القيامة.

21 نيسان هو يوم الأسير … يوم سمير جعجع … يوم لبنان. ولكنه أيضاً يوم العودة إلى الذات وفحص الضمير. يوم تضافر الجهود ورص الصفوف. يوم القسم على أمرين لا ثالث لهما ، أما التبرك بأغلال لبناننا وشهدائنا الأحياء وأما تكسير هذه الأغلال.

يوم القسم على عدم المساومة مع الجلادين ونبذ كل مساوم ومهادن وباحث عن شرعية غير شرعية الدماء التي سفكها شهدائنا. 21 نيسان يوم نقتل فيه التردد في قلوبنا ونجدد إيماننا بقدرة شعبنا وصلابة قائدنا وقيامة وطننا. يوم نتذكر فيه بأن لبنان هو وحده هنا باق في هذا الشرق منذ نعومة أظافر التاريخ نفسه وكل جبابرة الأرض اندثروا.

ونتذكر أيضاً أن بعد الصلب وطريق الجلجلة وفي اليوم الثالث تكون قيامة الصديقين ، وأنه بالأيمان وحده يمكننا إنقاذ شعبنا وقضيتنا ووطننا ، وأنه أن ضعف إيماننا وفقدنا الرجاء كنا نحن المقاومين أعظم وأقسى أغلال شعبنا وقضيتنا ووطننا لبنان.

Category: Politics
You can follow any responses to this entry through the RSS 2.0 feed. Both comments and pings are currently closed.

One Response

  1. 1
    SARKIS MOUAWAD 

    نعم… هذا وصف صادق من أطهر ابناء الرعية… الشدياق…

    أولاً. أترحم على والديِِك، الذين جبلوك بطين إمان مُزمِن في جبل الصوامع…
    لقد سددت الإصابة في صميم أحشاء الحقيقية المرة.
    بوصف متناهي في دقة الثوابت، و الضمير، بَذرْة الوقائع كخيوط شمس آب في ظهيرة فطن المعرفة.
    دموع قَلَمِك لونه ذاهي، بطهر الدماء الذين أنعشت تربة سنابل القداسة.
    آرحتنا بوصفكَ، لان الكثيرين منا لن يتمكنوا من الإدلاء بوضوح الروئية التي انعمك بها الرب، عن كل الذي دونته من حقائق محرجة، مذهلة ، جارحة.
    صانك الله و بارك جهدك ، و ليسى بقليل عليك، فأنت ابن مدينة الحرف . قبل السيف. الذي غرّفة من اعماق تربتها حنطة التآريخ ، لتزيدنا إماناً بأرض الاول من نيسان ١٣٦٧… الى ٢١من نيسان ١٩٩٤ في لبنان…
    نعم… انه أدمون الشدياق… تجري في عروقه جداول قاديشا بحبر جبراني…
    في روحانياته صفاء مؤمن، حجب نور الشمس، ضباب عطر بخور واديه المقدس…
    قواتي… حكيم القرار… لن ، و لم، تلمس حريته سوى روزازات الثلج الناصح المرسل من السماء…
    إلك مني ألف تحية.
    أخيك سركيس معوض.