الإناء ينضح بما فيه

 

 

www.forces-libanaises.com

 

بقلم ايلي براغيد

عضو المجلس السياسي في القوات اللبنانية

يقول عالم السياسة غيلرمو أو دونيل إذا "كانت الحكومة هي قمة جهاز الدولة، فإن النظام يمثّل مجموع الطرق المؤدية الى الحكومة، أي مجموع الوسائل والآليات التي تحدّد أسس الوصول الى الحكم ".

ويمكن لهذه الطرق أن تكون معبّدة، مرصوفة وواسعة فيتمّ السير بسهولة عليها، وهي إستعارة تتلاءم مع النظام الديمقراطي، كما يمكن لهذه الطرق أن تكون مليئة بالعوائق والمطبات ونقاط التفتيش فتؤدي بالتالي الى التهميش والابعاد ومنع الوصول الى السلطة، وهي حالة الأنظمة الاستبدادية.

ويقول الوزير السابق غسان سلامة "كلما كانت السلطة حديثة كلما كان لديها الميل للتفرد، وكلما كانت غير واثقة بمشروعيتها كلما رفضت مشاركتها الآخرين الحكم".

والأنظمة الإستبدادية معقّدة بعض الشيء، فإذا أخذنا سوريا مثلا، نجد بأن الميدان السياسي ممسوك كليا  والاقتصاد بيد الدولة، فيما المجتمع محاط بالنقابات المهنية والاتحادات والمنظمات الشعبية وجهاز حزب البعث.

ونظام كهذا يفرز تركيبة داخل البعث والدولة كما يفرز ترسانة كبيرة من الناس تبدأ بالمقتنعين وتمرّ بالمنتفعين وتنتهي ربما بمن تمّ إستقطابهم عن حياء، وجميعهم دون إستثناء يستفيد ويعمل من ضمن النظام.

اما باقي المجتمع فإنه محكوم بشكل من أشكال "عقد إجتماعي إستبدادي" يسمح فقط بإستراتيجية البقاء اليومية للسوريين الرازحين تحت وطأة البطالة والتضخّم، لكنه يجعلهم مرتبطين بما تغدقه عليهم الدولة من خيراتها من خلال ما يسمى ديكتاتورية الحاجة.

وعلى قمة الهرم نجد طبعا رأس الدولة او الرئيس الذي ركّب وبصبر كبير هذا النظام، قطعة بعد قطعة، وأدخل فيه الأقرباء والمحاسيب.

أما ذروة التناقض في الأنظمة الإستبدادية فتكمن في كونها ترتكز في نفس الوقت على الإبعاد السياسي للآخرين من جهة، والحديث الدائم والمتكرّر عن الحوار والمشاركة والانفتاح.

نقول هذا لأننا نعيش عمليا في ظلّ نظام إستبدادي يعتبر إمتدادا واضحا للنظام السوري الذي تمكّن بفضل العقد الإجتماعي الاستبدادي من الإستمرار طيلة عقود ولغاية اليوم.

نقول هذا لأننا في فورة الحديث عن الانتخابات النيابية المقبلة قانونا وتقسيمات وتدخلات ومراقبة دولية. في حين وجب الانتباه بأن السلطة الحالية  غير راغبة وغير مؤهلة لتحويل الاستحقاق الانتخابي معبرا لتمثيل ديمقراطي حقيقي ومشاركة فعلية. وهي مع الأسف تتحكّم بكافة الطرق والوسائل والمعابر المؤدية للحكم.

نقول هذا لأن المسألة اليوم ليست في إعتماد الدائرة الفردية او الصغرى او الوسطى او الواحدة ولا في الإبقاء على النظام الاكثري او إستبداله بالنظام النسبي. المسألة أبعد من هذا بكثير، وتكمن تحديدا في التناقض بين الاستحقاق الانتخابي وهو ممارسة ديمقراطية بإمتياز وبين السلطة القائمة في لبنان وهي ديكتاتورية بإمتياز. ولا يمكن عمليا تلزيم ممارسة ديمقراطية لنظام هو في الأساس غير ديمقراطي.

نقول هذا لأن الحوار بمفهوم السلطة هو حوار التظاهر المبرمج والسيارات المفخّخة وتركيب الملفات والتهديد والاعتقال. والمشكلة اليوم ليست في السلطة الحالية ولا النظام ولا سوريا بل المشكلة هي في أن البعض لم يتعلم بعد من تجارب الأمس مع هذه السلطة، وهي عديدة ولا فائدة من الرجوع اليها لأنها تتناسل يوميا وتتزايد بـالأشكال ذاتها. كما لم يفهم بعضهم بعد بأن النظام السوري لا يمكن أن يتعامل مع اللبنانيين بغير الطريقة التي تعامل ويتعامل بها مع السوريين، أو لسنا في آخر المطاف وحسب رأيه "شعب واحد".

المشكلة هي في تقديرنا للإناء ... والإناء عادة ينضح بما فيه.

 Top of page I Home I Manifesto I About I Articles2003 I Articles2004 I Culture I Religion I Print Page