مَن هو جرجس توفيق الخوري؟

 

 

يعيش في "قبر مُضاء" ولم يلتقِ كاهناً منذ خمسة أعوام

جرجس الخوري اللغز المحيّر في تفجير كنيسة سيدة النجاة

مرتكب جريمة أم عنصر قابل للاستثمار في تصفية حسابات سياسية؟

تحقيق: منال شعيا

قالوا له: "عشر دقائق، سؤال وجواب ثم تعود الى منزلك"، وما لبث ان نُقل الى وزارة الدفاع في اليرزة. والدقائق العشر باتت عشرة أعوام وتسعة أشهر، الى الآن. قالوا له: "انت شاهد فقط في القضية"، وما لبث ان تحول متهما رئيسيا فيها وماسك خيوطها الاساسية. فهل هو "كبش المحرقة" أم مرتكب جريمة تفجير كنيسة سيدة النجاة في زوق مكايل أم عنصر قابل للاستثمار في تصفية حسابات سياسية؟ والسؤال الكبير: مَن هو جرجس توفيق الخوري؟

 

صدور تقرير منظمة العفو الدولية الاخير بعنوان "سمير جعجع وجرجس الخوري: تعذيب ومحاكمة جائرة" شكّل انعكاسا حقيقيا لواقع سجينين سياسيين، لطالما عتّم على ظروف سجنهما القاسية واللاانسانية، وخصوصا بالنسبة الى الخوري. والأهم ان منظمة عالمية بمستوى منظمة العفو الدولية ما كانت تجرأت على عرض هذه المسألة الحساسة وحمل لوائها عالميا لو لم تكن أكيدة من صحة المعلومات والوقائع، وهي الحركة العالمية التي يناضل اعضاؤها من أجل تعزيز حقوق الانسان، ويستند عملها في شكل اساسي على بحوث دقيقة وفق مبدأي الحياد وعدم التحيز. والمعروف ان مندوبين منها حضروا جلسات محاكمة جعجع والخوري، وبالتالي اطلعوا على كل جوانبها بالتواريخ والحقائق والوثائق.

واذ وصف التقرير "بواعث قلق المنظمة في شأن توقيف جعجع والخوري والمعاملة القاسية التي تعرضا لها، اضافة الى المحاكمتين الجائرتين"، ظهرت جليا "انتهاكات حقوق الانسان التي عاناها الاثنان أثناء احتجازهما بمعزل عن العالم الخارجي، اضافة الى اوضاع سجنهما "غير الشرعي"، مما شكل انتهاكا فاضحا للقانون اللبناني والمعايير الدولية"، ويكفي القول ان الخوري اليوم نحيل جدا (قياس سرواله 30) وينام على الارض. لكن ما لم يظهر اعلاميا بعد هو ان الخوري يملك معلومات كثيرة توضح وجود سلسلة وتركيبة سياسية – أمنية تهدف الى تطويق "القوات اللبنانية"لألف عامل وعامل، يتصل معظمها بالمرحلة السياسية منذ بداية التسعينات.

ورغم ان هذه الوقائع لم يجر التداول فيها، وخصوصا بعد صدور القرار الاتهامي، الا انه لا يمكننا وصفها بالاسرار لأنها مثبتة في المحاكمات كلها مع تواريخ ووثائق مبينة، انما تم تجاهلها بالكامل. وان استمرار السكوت عنها حرام في حق الانسانية أولا. لذا، طالب تقرير المنظمة باعادة المحاكمة بعد وصفها بـ"الجائرة". عارفو الخوري يملكون وقائع تكفي لاحداث ذهول وصدمة لدى غالبية اللبنانيين، ولعل ايرادها بالتفصيل يحتاج الى صفحات وكتيّبات. فما هذه الوقائع؟

ظلم ولامبالاة

صفات ثلاث تختصر الوضع: ظلم ومواجهة ولامبالاة. هكذا يلخص عضو "قرنة شهوان" و"تيار القوات اللبنانية" جان عزيز حالة السجين جرجس الخوري. وعزيز المدرك الكثير من الوقائع يجعلها في مرحلتين: بعد تفجير كنيسة سيدة النجاة وما قبله. وفي وقائع بعد التفجير، يورد الآتي:

"- في 27 شباط 1994 (أي يوم وقوع الحادث)، صدر كلام خطر عن مدعي عام جبل لبنان طربية رحمة يفيد ان لدى الاجهزة معلومات عن تحضيرات لتفجيرات في بعض الكنائس وعن وجود موقوفين. وسرعان ما كذّب هذا الكلام المدعي العام العسكري نصري لحود. انما المفاجأة الكبرى فكانت في عظة البطريرك الماروني الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير في اليوم التالي للانفجار وخلال ترؤس القداس على نية ضحايا التفجير يقول فيها "انذرنا باحتمال وقوع الحادثة قبل اسبوعين وثمة موقوفون في القضية". ولكن عتّم على هذا الشق من القضية كليا وفق عزيز، وخصوصا حين قيل في احدى المحاكمات ان الموقوفين اللذين كانا في مديرية المخابرات وهما نبيل ضيا (مصري الجنسية) ومرسي علي اعطيا معلومات خاطئة للاستفادة من الجنسية اللبنانية، فيما ثبت في المحاكمة ان علي عنصر في الجيش وكان على علاقة بـ"حزب الله". والفضيحة الكبرى ان الافادات الاولية لهذين الموقوفين سُحبت تماما من ملف القضية، اذ لا يمكن العودة اليها، حتى للتاريخ".

ويتابع عزيز العودة الى مرحلة ما بعد التفجير ليشير الى "جو الرعب" الذي شهدته البلاد حينها وشبّهه بالحالة التي سادت بعيد محاولة اغتيال النائب مروان حماده لجهة البلبلة الامنية والتوترات، اذ "كثر الحديث عن وجود عبوات بعد حادثة كنيسة سيدة النجاة، وأفيد عن اكتشاف عبوة أمام المركز الثقافي الفرنسي في غدير. وعلى الفور صدر بيان أمني يكشف توقيف شخصين قيل انهما كانا من "القوات اللبنانية"، وحتى اليوم اي بعد عشرة أعوام لا أحد يعرف من هما. هكذا، ووسط جو من الترهيب اتجه الاتهام نحو المعارضة". من هنا، يورد عزيز وقائع أخرى:

"في 3 آذار 1994 صدر أول اتهام لـ"القوات اللبنانية" على لسان رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط، جاء فيه "لا يمكننا الا ان نربط بين مجزرة الكنيسة ومتفجرة الصيفي ومحاولة اغتيال الرئيس الياس الهراوي (اتهمت القوات بهاتين الحادثتين) وبين أرباب التقسيم والفيديرالية". كان هذا التلميح الاول للقوات، لتصدر بعده احدى الصحف (9 آذار 1994) بمانشيت تعلن بداية اكتشاف خيوط الجريمة واتجاه الى حل حزب القوات. وفي 10 آذار، طوقت غدراس بهدف البحث عن بعض المطلوبين في قضية تفجير الكنيسة، يعتقد انهم لجأوا الى غدراس". ويشدد عزيز على ان "جرجس الخوري لم يكن البتة في الصورة في هذه الفترة، ولم يأت احد على ذكره، لنعود ونكتشف ان الخوري سلّم نفسه في 15 آذار 1994 بعد توقيف والده وأخويه".

واذا كانت وقائع بعد التفجير تدل، وفق عزيز، على ان "نظرية اتهام القوات لم تستند الى رواية جرجس الخوري، بدليل انها سرّبت الى الاعلام قبل اسبوع على الاقل وحوصرت غدراس قبل خمسة أيام من تسيلم الخوري نفسه، مما يؤكد بوضوح ان ثمة شيئا مركبا في القضية"، فلماذا اذا سلّم الخوري نفسه؟

"ملاحقة" عائلة!

يروي شقيق جرجس الخوري، وسام، انه "في 4 آذار 1994 أوقف أفراد من رهبان رسل الانجيل في مركز الاستخبارات في صربا، وكان شقيقي الآخر ويدعى أنور، من بين هؤلاء. وفي 8 آذار دهمت الاستخبارات منزلنا في ضبيه وسألونا عن جرجس الذي كان يومها في العمل، وبعد تفتيش البيت أوقفوا والدي ومن ثم أخي صلاح (وهو من فوج المغاوير) في وزارة الدفاع حوالى 25 يوما. بعد معرفة جرجس بالحقيقة فضّل الابتعاد لعدم معرفته بأسباب اعتقال أخي ووالدي، وخصوصا انه كان خضع لعملية زرع في العمود الفقري وبالتالي يعاني ألما في ظهره. اعتقد حينها ان التوقيف بسبب ملاحقة بعض القواتيين فذهب الى جزين".

لكن الملاحقة شملت أفراد العائلة جميعا، فأوقفت الاستخبارات وساما لمعرفة مكان جرجس، وقال له رجالها ان القضية تتعلق بسيارة يستخدمها. وبعد اطلاق وسام وابلاغ جرجس هذه الرسالة، اختار تسليم نفسه طوعا في 15 آذار 1994.

يتذكر وسام جيدا هذه الواقعة ويرويها بحسرة "سلّم نفسه الى استخبارات الجيش في الزلقا. قالوا له عشر دقائق، سؤال وجواب عن السيارة ثم تعود، ولكن في الرابعة بعد ظهر ذلك اليوم نُقل الى وزارة الدفاع حيث لا يزال يمضي أعوامه العشرة مسجونا بتهمة تفجير كنيسة".

أما الاستفسار الكبير، فلماذا أوقف أهل جرجس الخوري؟ وكيف تحولت مسألة سيارة قضية تفجير كنيسة؟ هذا التساؤل يقودنا بحسب عزيز الى وقائع سبقت التفجير.

"- الاباتي انطوان صفير الذي ترأس القداس عند وقوع الحادثة في كنيسة سيدة النجاة أكد في المحاكمة انه لم يشر في افادته من المستشفى حيث نُقل بعد التفجير، الى أي علاقة بين الرهبانية المريمية التي كان يرأسها ورهبان رسل الانجيل، بل ان احد الامنيين الذي أخذ افادته سأله هل تعرف جماعة الرسل؟ فأجابه: نعم. ثم سأله مجددا عن العلاقة بين الرهبانية وهذه الجماعة، فرد الاباتي: ثمة مشكلة بيننا تتعلق بدير شويا. من هنا، كان الربط الاول بين الرهبانية والجماعة فأوقف رهبان رسل الانجيل، بينهم انور شقيق جرجس، والذي أمضى 72 يوما في وزارة الدفاع".

ويسأل وسام: "من استغل هذه المشكلة؟ ولماذا لم يؤخذ بكلام الاباتي الذي نفى انه ان يكون انها مجموعة كاليهود وان تصرفاتها مشبوهة ويمكن أن تُقدم على التفجير، بدليل ان افادته غير موقعة؟ اذا لماذا تجاهلت المحكمة هذه المسألة؟".
انما وسام يكشف جانبا آخر، اذ يؤكد ان "أنور الذي اختبر دعوته في الاراضي المقدسة وكان يزور الاراضي برفقة جرجس، افاد في احد التقارير وتحت وطأة التعذيب الذي تعرض له ان جرجس ضابط مع المخابرات الاسرائيلية. من هنا كانت الذريعة الاولى، ولا سيما ان انور أعلن في احدى الجلسات انه أرغم على هذا الكلام تحت التعذيب بعدما هددوه بجلب شقيقاته".

سرقة وصنادل

حادثة سرقة حقيبة تدخل كعنصر اساسي في القضية. يوضح عزيز: "في 20 شباط 1994، سرقت حقيبة المسؤول عن جماعة رسل الانجيل موريس بشوتي من سيارته في الجديدة، وتحوي أوراقا تدل على مراسلات بين جماعة رسل الانجيل ورهبنة لاتينية في الاراضي المقدسة ونقلها جرجس للبحث في مساعدة. فكان الربط بين الجماعة والخوري".

ورغم ان المدعي العام أكد ان ليس هناك اي محضر بالسرقة تسلّم بشوتي لدى خروجه من وزارة الدفاع الحقيبة، وفق ما يقول وسام شقيق جرجس، ويضيف: "بعدما أوقف بشوتي نحو 50 يوما في الوزارة تسلم الحقيبة وأكد ذلك في المحاكمة، لكن المدعي العام نفى تسليمها قطعا. والغريب في الامر ان المحامي جورج نجم ابرز محضر السرقة، فتم غض النظر عنه".

وفي رأي عزيز ان "جرجس الخوري وخلال حربي التحرير والالغاء كان على علاقة بضابط أمني في الضبية (سماه في المحاكمة) ولم يوضح حقيقة العلاقة. وبالتالي فان الممسك بزمام القرار الامني منذ التسعينات يملك هذه السلسلة المتكاملة التي تبين ان الخوري شخص قابل للاستثمار وعبره يمكن الربط بالقوات". ويلاقيه وسام: "ببساطة اذا أوقف جرجس يتم الوصول الى القوات ولا أحد يسأل عنه. وللأسف كانت المواصفات المطلوبة تنطبق عليه. فهو كان في جهاز الامن في القوات يزور الاراضي المقدسة فيسهل القول انه على علاقة باسرائيل، رغم انه كان يقصد الاراضي للحج وأحيانا لشراء الصنادل التي كان يرتديها أنور وجميع أفراد جماعة رسل الانجيل، وهذا ما سئل عنه أنور".

الى هذه الوقائع، ثمة ما يعزز الربط بين خلاف الرهبانية وجماعة رسل الانجيل وتفجير الكنيسة. يشرح عزيز ان "الجماعة كانت تشغل دير مار الياس شويا التابع في جزء منه للرهبانية المريمية المسؤولة عن كنيسة سيدة النجاة. وفي 1991، طلبت الرهبانية من الجماعة اخلاء الدير بسبب خلافات، وألح أفراد الجماعة للحصول على مبالغ كانوا أنفقوها على الدير، فرفض الطلب وادّعي عليهم امام النيابة العامة. وبسبب الادعاء، لجأ بشوتي الى أحد القواتيين لاستئجار دير آخر فاختير مقر بيت الكتائب في عشقوت فحلّت النيابة العامة الدعوى، فكان الربط بين هذه الجماعة والقوات. من هنا، وقع الانفجار بالذات في كنيسة سيدة النجاة، لنعود عبره الى الرهبانية فالى جماعة الرسل فالى القوات والى جرجس الخوري".

ويجزم عزيز ان "هذه الوقائع ظهرت في جلسات المحاكمة ولم يُستند اليها. عناصر المسألة كانت جاهزة وكان ينقص التوقيت السياسي المناسب لتنفيذها. واللافت ان خلال التفجير، كان جرجس الخوري ملتحقا بحزب الكتائب برئاسة جورج سعادة، أي في ذروة الصراع بين الاخير وجعجع، وبالتالي لم يكن للخوري اي علاقة بالقوات، الا كونه حلقة في سلسلة توصل الى القوات".

خمسة اثباتات

خمس وقائع يفصّلها وسام منطلقا من القول ان "القرار الظني كان منسوفا".

"أولا: ورد في القرار الظني ان جرجس اجتمع في اسرائيل في 22/12/1993 مع مجموعة قواتيين، وقد عاد عن طريق البر فيما انتقل الآخرون عن طريق البحر من الناقورة الى الكرنتينا. وهذا خطأ، لانه يستحيل التنقل بين الناقورة والكرنتينا كون الدولة وضعت حينها (تموز 1992) يدها على الكرنتينا والمرافىء، وثمة وثائق تثبت ان الآخرين وهم غسان توما ورشدي رعد وجان شاهين وطوني عيبد كانوا خارج البلاد، وهذه الوثائق رسمية وموقعة من دول ومسؤولين روحيين وجهات مدنية، فتوما كان في اميركا ورعد في كندا وشاهين وعبيد في اوستراليا. ببساطة تجاهل الحكم هذه الوثائق.

ثانيا: ورد في القرار ان جرجس عرّج بعد اجتماعه على ضابط اسرائيلي للحصول على متفجرات، فيما قيل بعدها ان الضابط سلم المتفجرات الى فيرا منسى التي بقيت مجهولة الهوية، علما ان منسى لا أحد يعرف من هي ولم يصدر حكم بها، كما انه خلال تلك الفترة، ثمة محاضر تبين ان الجيش صادر اسلحة للقوات، فهل يعقل ان يكون ثمة مجازفة في الحصول على متفجرات ومن اسرائيل بالذات؟

ثالثا: ورد في القرار انه في 27/1/1994 (قبل شهر من التفجير) اجتمع جرجس وآخرون في مبنى الاركان الساعة 5:20 لتحضير العبوة، فيما محامي الدفاع النائب جورج نجم أثبت في المحاكمة ان الخوري كان في المركز الثقافي الفرنسي في غدير في هذا اليوم ومن الخامسة الى السابعة.

رابعا: ورد في القرار ان في هذا الاجتماع، قُسّمت الادوار على توما ورعد وشاهين وعبيد ومنسى، ولم يشر القرار الى دور جرجس، فكيف يحكم عليه بالمؤبد لجهة التدخل في التفجير وأين دوره؟

خامسا: ليل 26 – 27 شباط 1994 (تاريخ حصول التفجير) كان جرجس في رياضة روحية مع جماعة الاخوة في روح القدس في دير أمّ الله في عجلتون، وقد شهد أربعة اشخاص بذلك امام المحكمة".

"قبر مُضاء"

هذا في الوقائع، فماذا عن وضع جرجس في السجن؟

"قبر مُضاء" هكذا وصف النائب غسان مخيبر غرفة جرجس الخوري بعد زيارة الوفد النيابي له. وتكفي الاشارة الى ان الزيارة الاولى لمحامي جرجس كانت في 20 حزيران 1994، اي بعد ثلاثة اشهر على تسليم نفسه، فنكتشف حجم المعاناة، وخصوصا ان القرار الظني كان قد صدر قبل الزيارة (صدر في 13 حزيران 1994)، وكان جرجس قد رأى محاميه ثلاث مرات فقط قبل بدء محاكمته في 19 تشرين الثاني 1994.

ويروي وسام تفاصيل هذه المعاناة: "بعد تسليم جرجس نفسه، قصدنا المحامي نجم للدفاع عنه. وفي ايار 1994 قصد نجم وكاتبة العدل سجن وزارة الدفاع لمقابلة شقيقي، والتوقيع على الوكالة، لكن نجم صعق بما سمعه نقلا عن جرجس بأنه لا يريد محاميا، وسلمه المسؤول ورقة مكتوب عليها انا بريء ولا أريد محاميا.وبعدما أصرّ نجم على مقابلة جرجس، رد المسؤول بالقول: عليك الاكتفاء بالورقة. لكن تبين فيما بعد ان شقيقي أرغم على كتابة هذه الورقة تحت الضغط وهذا ما قاله في المحكمة.

اثر تلك الواقعة، كلفت نقابة المحامين المحامي سليم الاسطا لمقابلة جرجس في منتصف ايار 1994. وحين رآه قال له الخوري: انا بريء لا أريد محاميا، فعاد الاسطا وأبلغ نقيب المحامين حينها ميشال خطار بما جرى. وحين ذُكّر جرجس بهذا الكلام في المحكمة رد بجمل معبّرة يرددها أخوه بعد عشرة أعوام بالحرف: "نمت واقفا، منعوني من الاكل، جعلوني أشرب مياها ملوثة اضافة الى التعذيب. هذا التعذيب أوصلني الى نسيان اسمي. ولو سئلت اذا تسببت بالحرب اللبنانية لقلت نعم". علما ان الخوري كان أخضع لتعذيب حوالى 43 يوما بعد التحقيق معه في تفجير بيت الكتائب".

وبعد صدور القرار الظني كانت الزيارة الاولى لنجم الذي وجه، وفق وسام، كتابا في 13 آب 1994 الى رئيس المجلس العدلي لنقله الى المستشفى، لكن الطلب رُفض. ويلفت وسام الى تقرير طبي وضع في 19 آذار 1994 يفيد ان جرجس بكامل وعيه ولم يتعرض لأي تعذيب وان نبضات قلبه 70 بالدقيقة وضغطه 12/8، لكن الخوري تحدث عن وضعه الصحي امام المجلس العدلي، وأكد ان الكشف عليه قبيل صدور التقرير جرى وهو ينزف دما من فمه ورجليه وقال للطبيب: "حالتي بالويل" فرد عليه: "بسيطة، بسيطة".

ووسام، الذي يداوم على زيارة شقيقه في السجن كل ثلثاء وخميس، وبالتالي يعتبر الشخص الوحيد الذي يرى عبره جرجس طيفا من العالم الخارجي بعيدا عن السجن، يشدد على ان "أخي تعرض لتعذيب جسدي خلال عامين منذ توقيفه وحتى صدور الحكم في 1996، ولكن التعذيب النفسي لا يزال مستمرا. وهذا ما ذكر بوضوح في تقرير منظمة العفو الدولية".

ويستحضر رواية يؤكدها نجم ايضا بقوله: "بعد صدور الحكم لم أستطع تبليغ موكلي بنتيجته، وقيل لي دورك انتهى الآن بعد صدور الحكم ولا يمكن رؤيته. ولهذا السبب منذ تاريخه لا أرى جرجس، لكني استقصي أخباره من شقيقه وسام". ويجزم نجم ان "جرجس وبمجرد مثوله امام قاضي التحقيق طلب محاميا، فقيل له ان المحامي يعقّد الامور وانت لم تصبح بعد مدعيا عليه لتوكل محاميا.

وهذا ما يشير اليه وسام: "أوهموه انه شاهد في القضية واذا به يتحول متهما اساسيا". ولعل من المفيد ايراد بعض ما جاء في مرافعة نجم، وخصوصا في الخاتمة: "اذا كان لسلطة الاتهام ان تحيل على المحاكمة اشخاصا تشك في أمرهم، فان هذا الامر لا يمكن ان يصل الى حد الاستنساب المطلق الذي يمس بكرامة الانسان (...) واذا بقي ثمة شك فلا تترددوا ايها القضاة في طلب الافراج، لان اطلاق سراح مجرم لأفضل بكثير من معاقبته وهو بريء". واشار نجم في مرافعته الى ان "التحقيقات التي أخذت تحت وطأة التعذيب تعتبر باطلة، وهي تمت في سجن وزارة الدفاع غير الشرعي". وشهادة للتاريخ، ورد في المرافعة ان نجم عندما قصد المحقق العدلي لابلاغه انه أصبح موكلا عن جرجس من نقابة المحامين وأبرز الطلب، قيل له ان الخوري لم يصبح مدعيا عليه بعد. وحين ذكّر نجم بذلك في المحكمة، امتعض المحقق العدلي وقال بنبرة عالية "جرجس ما بدو محامي".

تضييق وتناقض

 

منذ خمسة أعوام، لا يسمح لجرجس باستقبال كاهن، ومنذ 1996 لا يستقبل ايضا محاميه. هو "ضحية مرحلة"، كما يصفه أخوه "يدفع ثمنا كبيرا، باختصار هو كبش المحرقة". ويرى عزيز ان "هناك قواتيين حوربوا ولم يتحملوا هذا الحمل واتهموا القوات وسمير جعجع بالذات، في حين دفع الخوري ثمنا باهظا. هو الذي لا علاقة له بالقوات، برّأها وتحمّل".


ويتحدث وسام بألم عن رؤية جرجس يومين في الاسبوع، فكيف اذا كان رآه لتوه، يقول: "أزوره لنصف ساعة مع وجود حرس. ممنوع ان نتكلم في السياسة او في الحكم على القضية او في التطورات. يسمح له فقط بالكتب الدينية ومجلتين فنيتين، ولكني أسأل نفسي دائما: لماذا يسألني عن الطقس. يبدو نحيلا جدا، قياس سرواله 30، يعاني آلاما في ظهره ومعدته، يأكل فقط الخضر لأنه لا يستطيع أكل اللحوم بسبب آلام معدته. وأحيانا يطلب سندويشات فتجلب له".


وتتعجب حين تعلم ان وساماً يرى أخاه في "غرفة صغيرة تكون أعلى من سجنه بثلاثة طوابق.ولا يبدو حاقدا او ناقما لانه يتحلى بايمان قوي ساعده على مواجهة الواقع. فهي نعمة من الله ان يبقى شقيقي واعيا ومدركا رغم كل ما عاناه. يقول لي انه سيزور حريصا ودير مار شربل في عنايا حين يخرج".


والتضييق على جرجس يحلله عزيز من منطلقين: "ثأري بسبب مواجهته في جلسات المحاكمات، واحتمال ان يكون يملك معلومات توضح أمورا كثيرة". ويتعجب عزيز من تصرفين متناقضين: "الاول ان السلطة أصدرت حكمها في تحديد المتهمين بتفجير الكنيسة لكنها تصرفت كما لو انها لا تصدق حكمها، اذا لم تلجأ الى النتائج القانونية التي تترتب على هذا الحكم تجاه حزب القوات. والثاني ان الكنيسة أعلنت انها لا تصدق هذا الحكم لكنها تتصرف كما لو انها قبلت به". اذ لا يفهم عزيز كيف ان"رجل دين لم يزر جرجس منذ خمسة اعوام ولم تطالب اي جهة روحية باعادة المحاكمة، كما ان ثمة مسؤولية كبيرة تقع على الكنيسة العالمية، وخصوصا ان مصدرا فاتيكانيا كان أعلن بعيد التفجير انه لا يستبعد ان تكون الحادثة مرتبطة بزيارة البابا يوحنا بولس الثاني التي كانت مقررة في ايار 1994 للبنان. وكانت ثمة أصوات رافضة علنا هذه الزيارة، ومنها "حزب الله"، فلماذا لم تسأل الكنيسة عن المحكومين غيابيا؟".

 

مسؤولية الكنيسة هنا تبدو جوهرية، وخصوصا بسبب مواقفها العلنية الرافضة أي ظلم. ففي رسالة الصوم عام 1990، قال البطريرك صفير "كل نظام (...) يزجّ المواطنين في غياهب السجون ويسوقهم الى مناقع التعذيب. هو في نظر الكنيسة فاسد جائر يجب العمل على ازالته او اصلاحه واستبداله بنظام عادل ينصف الناس (...)". والسؤال لماذا لم تسأل الكنيسة عن بعض الوقائع الناصفة في تفجير كنيسة سيدة النجاة، علما ان مصدرا قضائيا صرح في 21 آذار 1994 ان "التحقيق انتهى والمنفذون ستة، أربعة منهم أوقفوا، وتبين بعد المحاكمة ان هناك موقوفا واحدا؟!".


واذ يعتبر وسام ان العفو يُصوّر كأنه "تثبيت التهمة على المجرم"، يطلب اطلاق أخيه جرجس او اعادة محاكمته باشراف دولي، وخصوصا ان الخوري لم يطلب العفو ولا يزال يردد عبارة واحدة "انا بريْ، اقحموني في قضية لا دخل لي بها".

 

***

... وبعد، قد يكون المطلوب في قضية الخوري تحقيق أمرين: ضمان حق الموكل وتبيان حقيقة الدعوى من منطلق انساني وقانوني. هذا هو هدف التحقيق، لأنه لا يحق لنا اصلا الحكم على الاشخاص لتبرئتهم او ادانتهم، بل اننا نظهر بعض الوقائع الملتبسة.
وثمة رواية معبرة في هذا الاطار تتحدث عن أحد الفقهاء يدعى الزمخشري الذي كان يضع أطروحة عن سبب وجود الله وكان يتهافت عليه الناس لالقاء التحية كلما قصد مدينة. في احدى المرات، تجمهر حوله حشد، فشاهدته امرأة وسألت من يكون هذا الرجل؟ فقيل لها انه فقيه يعد أطروحة حول ألف حجة وحجة لوجود الله، فردت: "اذا هو كافر ألف مرة ومرة".
 

 Top of page I Home I Manifesto I About I Articles2003 I Articles2004 I Culture I Religion