|
تشبه
علاقة النظام السوري بمريديه من اللبنانيين
علاقة الأمراء العرب الكبار بما درجت تسميتهم
برجال الثقة، وهم الذين تولجوا تحضير وإنجاز
الصفقات الكبرى، وبالتالي وجب عليهم التمتع
بخصائص من الصعب توافرها بصورة عادية ومن
أهمها:
الولاء
المطلق والانتساب الكامل وتخصيص كل جهد
للتجاوب مع مطالب الأمراء، وتقبّل مشيئة
الأمير مهما كان نوعها ورغم المبالغة في ما
تستوجبه من أعمال او تجاوز لحدود المنطق
والمعقول، فإذا تجاوز الأمير حدود اللياقة في
تصرّفه فهذا حقّه، وكل من يتصدّى لهذه
الاعتبارات المبدئية او يطرح تساؤلات حولها
يخسر دوره، ويصبح مبعدا عن مجالس الأمير
وقراراته وقدراته على توزيع الخيرات.
الالتزام
الكامل، فرجال الأمير عليهم أن يثبتوا مرارا
وتكرارا أنهم يقومون بما يطلب منهم دون مناقشة
للوسائل ودون اخذ ورد، ورجال الثقة يتبنون
الآراء في السياسة الدولية والعربية التي يقول
بها الأمير، وعليهم أن يبرهنوا بالقول
والالتزام أنهم دائما وفي كل وقت على استعداد
لتقديم كل ما يملكون لتصرف الأمير إن هو شاء
ذلك.
علاقة
التبعية هذه هي السمة البارزة لدى "جماعة
سوريا في لبنان" إذا صحّ التعبير، وهي بخلاف
ما يروّج له البعض من هذه الجماعة، ليست مبنية
لا على قناعة ولا على مبادىء عليا، لا بل إذا
إصطدمت يوما قناعة أحدهم بالإملاءات السورية،
تبخرت القناعة بسحر ساحر وتمّ التقيّد حرفيا
بالمشيئة السورية.
والأمثلة
على ذلك كثيرة، ومنها ما يعترف به بعض أفراد
هذه الجماعة كالرئيس نبيه برّي مثلا في كتاب
"نبيه برّي أسكن هذا الكتاب" لنبيل هيثم. فهو
مثلا كان ضد فكرة تمديد ولاية رئيس الجمهورية
السابق الياس الهراوي، لأنه من حيث المبدأ
يرفض فكرة تعديل الدستور لمصلحة شخص، وهذه
القناعة المبدئية سقطت فور قرار الرئيس السوري
حافظ الأسد بالتمديد ثلاث سنوات إضافية للياس
الهراوي. ولم تعد هذه القناعة واردة أصلا مع
التمديد ثلاث سنوات إضافية للرئيس اميل لحود
طالما هذا هو خيار الرئيس السوري.
ونبيه
برّي كان أيضا مع إرسال الجيش اللبناني الى
الجنوب عام 1993 لأسباب ومسلمات وطنية، ورغم
تعنته أول الأمر وعدم تجاوبه مع المسؤولين
السوريين الذين رفضوا فكرة إرسال الجيش الى
الجنوب، عاد وقال بالحرف الواحد للرئيس السوري
حافظ الأسد الذي حاول إقناعه: "لماذا تتعب
قلبك معي، فاتخذ يا سيادة الرئيس القرار، وأنا
من جهتي، أؤدي التحية لأي قرار تتخذه او تأمر
به، وبالتالي ألتزم به بالكامل"!!!
تأدية
التحية هي مفتاح الحلّ مع السوريين، تأديتها
ولو على حساب المبادىء والقناعات وما تبقّى من
حسّ وطني عند البعض، وخلاف ذلك يأتي دور تأدية
الحساب والذي قد يكون عسيرا في بعض الأحيان.
تأدية
التحية تؤدي الى أعاجيب لا تخطر في ذهن إنسان،
كأن تجلس ليلى الصلح إبنة رياض الصلح المتهم
بإعدام أنطون سعاده على طاولة واحدة في مجلس
الوزراء مع محمود عبد الخالق من الحزب السوري
القومي الاجتماعي.
وتأدية
التحية تمحو خطايا الماضي مميتة كانت أم
عرضية، فيصبح وئام وهّاب وزيرا للبيئة بعدما
عمل لسنوات في تلفزيون الشرق الأوسط.
وتأدية
التحية تتطلب في ما تتطلب نكران الذات وتغيير
الجلد وإستبدال القناعات او بالأحرى الأقنعة،
فيغدو جورج قرم مدافعا عن سوريا ومهاجما للفكر
الاستعماري الفرنسي بعدما تظاهر منذ عدة سنوات
في شوارع باريس مطالبا بتحرير لبنان من
الاحتلال السوري. ويغدو يوسف سلامه وزير دولة
في عهد اميل لحود الممدّد له، بعد تردّد على
قصر بعبدا في زمن العماد ميشال عون!!!
في الأمس
لم أفهم تماما ما قصده قائد القوات اللبنانية
الدكتور سمير جعجع بقوله:
"لا
تطلبوا العرفان بالجميل ممن يقايضون الوطن
بالمناصب، والمصير بالمصالح، والشرف بالترف،
ودموع الثكالى بالسمسرة، وقلق اليتامى
بالصفقات..."
"هناك
تراث من الممارسة السياسية الساقطة. عقلية
دكاكين وسماسرة تنجب هؤلاء المتسلقين الذين لا
يترددون في الاقدام على أي شيء واستخدام أي
وسيلة لتحقيق مآرب صغيرة مخجلة".
اليوم
فهمت وتيقنت بأن للعبد سيّد واحد، فيما
للوصوليين أسياد كثر بقدر ما يحتاجون للوصول.
|