|
دعوة إلى زمن آخر
...عن
النهار
كان عددهم موازياً للارزات والرخامات الشاهدة
في طبرية (لبنان). وكان الموعد مع صلاة المساء
ذاك السبت في “غابة الشهيد” لذكرى اهل البيت،
ولجنود اميركيين وفرنسيين استشهدوا في مثل هذا
التاريخ 23 تشرين الاول، قبل 21 عاماً.
عند المدخل “صخرة بشير” لا تزال تحمل بصمات
الظلم الاهلي ورصاص الفوهات الممدودة.
في الداخل كانوا يتوافدون من دون ضجيج. باقة
زهر على جذع هناك، ورزمة زنود فوق قامات
كالجذوع هنا. سلام بعيون تحكي الكثير، وأيد
تشد اكثر.
بعد تفقد الأحبة الحاضرين وقوفاً كالاشجار،
حملهم ضوء الغسق مع البخور ونغم السوغيتو الى
عقد الدير القديم.
خلف المذبح وقف الراهب اليسوعي الاميركي.
بعبارات مختصرة استحضر الوجع الكبير، وفتح
اسفار الذاكرة:
“لو أنكم ناضلتم لاجل الموارنة وحدهم، لتفتت
هذا البلد وزال. ولو انكم ناضلتم لخير
المسيحيين دون سواهم، لانقسم وطنكم ومات. ولو
انكم ناضلتم لاجل اللبنانيين فحسب، لفقد
لبنانكم علة وجوده وشرعية بقائه. انتم تناضلون
لحرية الانسان وكرامته في الشرق كله”.
ببياض رأسه وثوبه والقلب، اختطفهم الى ما قبل
زمنهم الاسود، واطلق مع غصاتهم والاكف
المتلاقية، شريط الصور العتيقة.
اعادهم الى يوم كان اصحاب الارض والارز
والذكرى، يدلفون الى هذا المكان وكل الامكنة،
بخشوع ورهبة، كما لو ان كل وقت رتبة سجود.
يومها لم يكن الزمن لأنارشيي الزعيق الهستيري،
حتى وقت الكلام الجوهري.
اعادهم الى من كانت “صلبانهم من خشب وقلوبهم
من ذهب”، قبل زمن صار ذهبه الوحيد لاقراط
الانوف والبطون، وخشبه الغالب للألسن
الببغائية ولغة الوهم والايهام على ذعر او جهل
او عمالة.
هؤلاء كانوا يتلصقون ببزات مغبرة بلون الصمود،
فوقها وجوه مقدودة من تقاسم الصخر. كانت
اقدامهم مغروزة في التراب وأيديهم مشبوكة كما
في مركب النوء، كأنهم من اوائل العلّية
والعنصرة. لا يعرفون (صغارات تحريض ولا يعيشون
تخرصات الشخصانية الفارغة، ولا يجيدون طقوس
الصنميات المعربدة على حساب عذابات جماعة
ومعاناة تاريخ.
هؤلاء جاؤوامن زمن ارغفة الراهبات وذخائر
الشريط الاسود حول الزند الملوّح، ومن ايقونة
“الدبشك” العتيق ومسبحة الاحياء التقية.
هؤلاء ولدوا من نذور المقامات الحافية، ومن
“صلاة المقاوم” المحفورة في الصدور وعن ظهر
قلب.
هؤلاء وهبوا نعمة ان يحيوا رعش الانتظار في
غرفة طوارئ المستشفى الاقرب، ورجف القلب تحت
نعش ابيض، ورعف النبض قبالة اطار فضي، امتلأ
فجأة بمن كان للحظة كل الغد والحياة...
لم يكونوا لحظة مشروع سلطة. فكل سلطات الارض
لا تستحق نقطة دم واحدة. هؤلاء كانوا منظومة
قيم ورسالة شهادة. لاجل حقيقة اقدس وحق اعم
وحرية اعمق وعدالة محبة وتسامح. ولاجل مفاهيم
مختلفة لانسان وامرأة وتاريخ ورب مختلفين في
شرقنا الاسود.
حتى يوم التحقوا بذلك الناسك النازل من ديره
على موعد الضرورة، رافقوه لانه كان مثلهم،
آتياً من ازل ذاك الجرح، وكانوا يؤمنون بأن
يده المصابة لملمته عن وجه شعب، لا من طيش
رصاصة.
على توقيت الوجوب، جاء يتلو عليهم من دوشاردان
وماريتان وجيلسون... من منا يعرفهم اليوم؟!
جاء يرسم لهم بالكلمات لوحات ثورة عن نورس باخ
الشهير، حتى ادخله بيوتهم اسم بكر ورمز
انتماءوالتزام له صورة طائر متمرد.
كان يحمل بعينيه بعضاً من بخور قنوبين، يوقده
سراجاً لدرب “التطلب الانجيلي الكياني”... هل
ثمة من يذكر بعد تلك الكرازة – العشق؟! تلك
كانت كل القضية.
تغير الزمن كثيراً. لكن رفيقاً هناك لم يتغير،
وارز طبرية لم يفعل ولن!
بعد انتهاء الصلاة، كان ثمة طفلان يلهوان عند
مذبح الغابة. كانت ضحكاتهما تتلو صلاة الشكر،
وتحمل الرسالة الى كل من يلزمه الامر: اذا لم
تعودوا مثل اطفال الارز في طبرية، فلن تدخلونا
ملكوت الحرية، ولن تطأوا أنتم ملكوت المقاومة.
* الدكتور جان
عزيز:
- ممثل القوات اللبنانية في لقاءْ قرنة شهوان.
- صحافي واستاذ في جامعة الكسليك-لبنان.
- باحث في "مؤسسة حقوق الإنسان والحق
الإنساني-لبنان"، العضو المراسل للفدرالية
الدولية لحقوق الإنسان.
- دبلوم دراسات عليا في الفلسفة السياسية.
|