|
في 15 ايار 2003 نشرت صحيفة السفير مقالا للواء
السوري الدكتور بهجت سليمان وهو مدير أحد فروع
جهاز المخابرات العامة وأحد أركان النظام
السوري.
تناول اللواء بهجت سليمان في مقاله يومها موضوع
الانسحاب السوري من لبنان وكتب ما فحواه أنه
"عندما يتم سحب هذه القوات تكون سوريا في حلّ
من المسؤولية عن حركة "حزب الله" المتواجد في
الأراضي اللبنانية حصرا، ولن يكون بمقدور
الأميركيين او الاسرائيليين الطلب من سوريا اي
موقف او إجراء سواء كان سياسيا او عسكريا".
ويدّعي اللواء سليمان بأن معالجة الوجود السوري في
لبنان "تتطلب أقصى درجات الجرأة والتحلي
بالمسؤولية لأنها ترتكز على بعض الحقائق التي
يرفضها التفكير التقليدي في المسائل
الاستراتيجية والسياسية" ومن أهم الحقائق هذه
هي ان "الوجود السوري في لبنان هو من ثوابت
العلاقة الأخوية والتاريخية" وبعد الاشارة الى
تمسّك "الحكم اللبناني الحالي بالوجود العسكري
السوري، لا يلبث أن يستطرد أن واشنطن تضمن غير
ما تعلن بسبب خوفها من أن يتحول جنوب لبنان
الى ساحة من ساحات الصراع الذي لا يزال مفتوحا
مع العدو الاسرائيلي، وان الأميركيين يودون في
الحقيقة "استمرار الوجود السوري في لبنان" من
دون أن ينسى التذكير بدور سوريا كعنصر ضبط
بإزاء وجود أكثر من مئة الف فلسطيني في
الجنوب، ولا الاشادة بهذا الدور كونه يحافظ
على البوصلة ويمنع انفلات الأمور التي تنقلب
وبالا على الجميع.
ويعود اللواء سليمان الى التذكير بأن "الحاجة الى
سوريا كعنصر توازن ستظل قائمة، بل وستصبح
أشدّ، في ظلّ إختلال التوازن الديمغرافي
وتزايد نفوذ الاصوليين وارتفاع الاصوات التي
تطالب بإعادة صياغة السلطة".
كتب هذا المقال في ايار 2003، وإذا حاولنا اليوم
إستقراء الرسائل المتعددة الاتجاهات التي
يتضمنها على ضوء التطورات الأخيرة لا سيّما
القرار 1559 الصادر عن مجلس الأمن، نجد أن
النظام السوري أعطى أمثلة حيّة عما كان يختلج
في رأس اللواء سليمان من أفكار.
وهذه الأمثلة الحيّة تمثلت بسلسلة الأحداث التي
شهدتها الساحة اللبنانية خلال الأسابيع
الماضية:
بدءا بحادثة برج حمود ومقتل الشاب المسيحي بيار
عفارة على أيدي الأكراد السوريين وما تبعه من
توتر أمني في المنطقة ومواجهة العمال الأكراد
السوريين لقوى الأمن اللبنانية، مع التركيز
على ترداد شعارات من قبلهم من قبيل "بدنا
الجيش السوري وبسّ: و "بالروح بالدم نفديك يا
بشار"، ومن كان يصدّق بأن المواطن السوري
الكردي المحروم من الجنسية السورية ومن أبسط
حقوق المواطنية في بلاده، يهتف في لبنان بإسم
الرئيس السوري وجيشه!!!
مرورا بكشف وزير الداخلية لشبكة إرهابية أصولية
تستهدف عدة سفارات لدول غربية ووفاة أحد عناصر
الشبكة إسماعيل محمد الخطيب في مركز التحقيق،
وما تبع ذلك من إضطرابات وإطلاق نار وأعمال
تخريب على طريق المصنع من قبل أهالي مجدل عنجر
إحتجاجا على وفاة ابن بلدتهم. وهنا ايضا اتى
دور المنقذ السوري المقيم في عنجر بشخص رئيس
جهاز الأمن والاستطلاع في لبنان العميد رستم
غزالة الذي عمل على تهدئة الأمور، وعمل على
اطلاق موقوفتين من اعضاء الشبكة باتصال هاتفي
مع السلطة القضائية، فكانت النتيجة تقديرا
لموقف ابو عبدو وتشديدا على بقاء الجيش السوري
لمطالبة المواطنين السنّة بذلك (مع التركيز
على السنّة).
وأخيرا وليس آخرا محاولة اغتيال الوزير السابق مروان
حماده بسيارة مفخخة في قلب العاصمة يوم صدور
تقرير الأمين العام للأمم المتحدة كوفي أنان،
دون أن ننسى طبعا المناوشات المسلحة بين عناصر
حركة أمل وحزب الله في الرمادية وزبدين ودون
أن نغفل الاشتبكات التي شهدها مخيم عين الحلوة
بين كل من حركة فتح وجند الشام (يرجى التنبّه
الى الإسم الأخير).
هي رسائل شديدة الوضوح، وستليها رسائل أخرى، والمهم
أن نعي كلبنانيين بأنه آن الأوان لنخرج من
وضعية الرهينة المغلوب على امرها ونرفض عملية
الابتزاز وكذبة الامن والاستقرار، فالحرية قبل
الامن والاستقلال هو المدخل الوحيد للاستقرار
الحقيقي.
هي رسائل واضحة للغاية، تحتاج بدورها الى اجوبة واضحة
ومواقف بحجم الوطن، انه الرهان بين انقياد
الضحية لجلادها، وبين كسر القيود لنستحق نعمة
المواطنية الكريمة ونعيم الوطن الحر.
|