من ساواك بنفسه ما ظلمك

 

 

www.forces-libanaises.com

بقلم ايلي براغيد

عضو المجلس السياسي في القوات اللبنانية

في بداية العام 1990، سأل الكاتب البريطاني باتريك سيل الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد، إن كان بصدد إدخال إصلاحات على نمط الحكم في سوريا، وذلك على ضوء المتغيرات الدولية وإنهيار الشيوعية.

يومها أجابه الرئيس السوري: "ولماذا، طالما الحكم بدأ يسير بشكل جيد".

غالبا ما تبرز أزمة السياسة في العالم العربي من خلال نمط نقل السلطة. ويقول المعلقون المصريون بأن السياسة في العالم العربي توفاها الله، واستبدلت بعد مرحلة الحزب الواحد بمرحلة الخيار الوحيد. ويقول البعض الآخر أن هذا النوع من الممارسة يعيد البلدان العربية الى القرون الوسطى. ويتساءل عضو سابق في اللجنة التنفيذية لحزب الوفد المصري المعارض "إذا كانت الأحزاب الثورية كالبعث مثلا تتّبع هذا النمط في نقل السلطة، فماذا يمكن ان تفعل الأحزاب الرجعية"؟؟

ويذهب البعض كالباحث الاجتماعي المصري سعد الدين ابراهيم الى حدّ القول أن ممارسات كهذه أدخلت تعبيرا جديدا في القاموس العربي هو "جوملكية" وهو تعبير يجمع ما بين الجمهورية والملكية. ومن خلال إستخدام هذا التعبير يرفض ناشطو المجتمع المدني تشويه الممارسات الدستورية السياسية، إذ ينسى الرئيس كيف وصل الى الحكم ويعتبره هبة من الله لشعبه وبلده، ويعتبر بأن الوطن بحاجة اليه وهو في إنتظاره وبأن المستقبل ملكا له وبأن الشعب مغرما به...

ولبعض من هالهم سرعة تدبير عملية تمديد ولاية الرئيس اميل لحود لثلاث سنوات إضافية، نحيلهم الى "الفاخوري" السوري وهو الخبير في تركيب أذن الجرّة كيفما يريد. وعملية التعديل الدستوري هذه ليست إلا نقطة في بحر إنجازاته، وفي مطلق الأحوال يقول المثل "إعط خبزك للخباز لو أكلّك نصفه"، والخباز السوري سريع ونشيط وشره بعض الشيء.

يوم توفي الرئيس حافظ الأسد في 10 حزيران 2000، كان الرئيس الحالي بشّار الأسد برتبة مقدّم، فتمّ ترفيعه فورا من قبل نائب الرئيس السوري عبد الحليم خدّام الى رتبة جنرال وقائدا أعلى للقوات المسلحة. وهكذا أضحى على قمة المؤسسة العسكرية. وبعدها، حضر العماد أول مصطفى طلاس وزير الدفاع يومها يرافقه رؤساء الأجهزة الأمنية الرئيسية لزيارة الرئيس الشاب وتقديم الولاء له.

وأتى بعدها دور مجلس الشعب السوري الذي عقد دورة إستثنائية نقل معظم مداولاتها التلفزيون السوري، فور إعلان وفاة الرئيس حافظ الأسد، وافق خلالها على تعديل الدستور وتخفيض السنّ القانونية لتبؤو الرئاسة من 40 الى 34 عاما، وهو عمر الرئيس الشاب يومها.

ومن ثمّ أتى دور حزب البعث الذي إجتمع فورا لطرح إسم الرئيس الشاب كمرشح للرئاسة وتعديل الأنظمة، حيث أنه بموجب نظام الحزب، يفترض بالمرشح أن يكون من قبل عضو في القيادة القطرية وليس مجرد عضو.

وفي إختصار، وفي ليل 10 – 11 حزيران 2000، أمكن تثبيت بشّار الأسد بشكل "طبيعي" على رأس كافة السلطات في سوريا. يومها ثار المثقفون العرب وانتقدوا خصوصا مجلس الشعب السوري، وقال المعلقون أن حتى البرلمان التركي يسمح لنفسه برفض التعديلات الدستورية تحت الضغط ويقف بمواجهة الجيش.

وفي الختام يحين دور إضفاء المشروعية على العملية برمتها، وهذا تتكفل به الصحف الرسمية السورية (البعث والثورة وتشرين) وهنّ بنات نجيبات لصحيفة الإزفستيا السوفياتية رحمها الله.

لم كل هذا التعجب إذن؟ وهل ضاقت بعين البعض ثلاث سنوات إضافية؟ ولماذا يعتب البعض الآخر على صرف ملايين الدولارات ثمن مفرقعات وألعاب نارية؟ ولماذا زعل الناس من لصق 17 ألف صورة للرئيس؟

في آخر المطاف، إحمدوا الله بأن الرئيس لم يطلب شيئا لنفسه، ومن ساواك بنفسه ما ظلمك.

 Top of page I Home I Manifesto I About I Articles2003 I Articles2004 I Culture I Religion I Print Page