|
يصف احد كبار لاهوتيينا حال المسيحيين في
لبنان مع ازمتهم الحالية منذ ثلاثة عقود
بالقول: “قضية كبيرة، حملها اناس صغار،
فأسقطوها واسقطتهم”.
ثمة مشهدية قاسية في هذا الوصف/ كلما تذكرته،
كرت امام ناظري صور السقطات والساقطين، وتفاعل
النكسة وتوالدها، بين عظمة القضية المثقلة
وضعف حملتها المثقلين.
قلة قليلة يحفظها وجداننا خارج تلك الصورة.
وفي طليعتهم بشير.
حتى انني احسه احياناً وقد تواطأ مع الشهادة
علينا. وافته في ذروة زمانه، وفي درك زماننا.
فتأبد هو في الاسطورة، وتجمد في صورة
الانتصار، وتكرس في رؤيا عريس الصليب المرتفع.
فيما استغرقنا نحن في الانهيار، على طريقة من
يكتشف بالتجربة الحية المستدامة، انه حين نكون
نحن مسؤولين عن سقوطنا، لا يعود لهذا قعر ولا
قرار. اذ نروح نجترح، من فشلنا نفسه، قدرة
عظيمة على الحفر اعمق لسقوط اعظم...علماً انني
لست من دعاة “اسطرة” الاشخاص، ولا انا قطعاً
من عصابيي عبادتهم، بل احترف الدعوة الى تحطيم
الاصنام ودفع اثمان تنفيذها، اياً كان الثمن
واياً كان الصنم، الصامت منها والفاجر
والببغائي.
وعلماً ان التدقيق في سيرة بشير، يكشف لنا
اننا معه ايضاً، اصابنا ما قال فينا “الرجاء
الجديد للبنان”، من اننا قتلنا وقتلنا
وتقاتلنا. لكن ميزة بشير انه كلّل مسيرته
بالانتصار فالشهادة. فيما نحن شعب “ميتوماني”،
يتبنى المنتصر بالاجماع، وبرذل بالاجماع نفسه
المهزوم، ويهب الموت قوة غفران مطلقة، ويقبل
على الحياة بطاقة تشكك وتشكيك دائمة.
لكن مع ذلك تظل عندي قصة بشير مختلفة. بعده
فقدنا الاحساس بالنصر، او وهمه. ولم ننتبه ان
لهذا الشعور في حالات شعوب مثلنا، وظيفة
اساسية: تطهير الحقد الداخلي، ونسج اسطورة
ضرورية لتأسيس الغد.
في غياب بشير تحولنا الى تآكل ذواتنا، وصار
الغد عندنا نقطة في زمن دائري، نعيده
ونستعيده، وفق قاعدة التاريخ المتكرر... ومن
لا يتعلم.مرت سنوات على الغياب ولم ننجح في
تعويذ (Exorciser) حدادنا الجماعي. بل استعضنا
عن ذلك ردحاً، بمحاربة باعة الاوطان بواسطة
باعة الأوهام. ولم نستدرك ان بين الاثنين
حلفاً موضوعياً... او اكثر. ولم نستفق الا وقد
سطحنا قضيتنا وصحرنا وجداننا...
تصوروا! ربع قرن من المعاناة والتضحيات
والعذاب، لم تترك اثراً ادبياً واحداً يخلدها
على المستوى الذي تستحق، وبقلم ملتزم واحد
للقضية الكبيرة. (مع اقصى تقديري لقلة من
الرفاق سجلوا وكتبوا من زاوية التأريخ لبعض
الاحداث).لم نكن ننتظر سولجنتسين من بيننا،
ولا نيرودا ولا غارسيا ماركيز (ربما لأن
“الكولونيل” عندنا لديه دائماً من يراسله...)
كنا سنكتفي بالاقل، لكننا حصدنا
اللاشيء.لماذا؟ هل لأن المحبة وحدها تخلق
وتبدع، فيما للحقد وظيفة وحيدة: التدمير؟
مع استحالة الانتصار – حقيقة او وهماً - وفي
غياب المحبة، تتحول الشعوب المثلنا حقلاً
خصباً لثلاثية العجز والجهل و”واقعية
التعاون”، بالمعنى الفرنسي المقاوم
للمفردة.ولنعترف باننا قد بذرناها بوفرة
جميعنا. ولقد نمت وازهرت واينعت... وها نحن
نحصد من ثمارها المرة، من دونان يعني هذا
الوصف للوهن الذاتي، انكارا لصعوبة الظرف
الموضوعي، او تبرئة لذمة اخصام شرسين معروفين
ومعلنين.
فلنعترف اليوم اننا لو ملأنا فراغ انتصارنا
الممنوع، طوال الاعوام الماضية بمحبة تضامننا
لكنا تجنبا الكثير من سقطات عجزنا وجهلنا
و”تعاون” بعضنا، ولكنا ربما قصرنا الانتظار.
لو اننا شبكنا الايدي في مواجهة العاصفة لما
تشلع بعض اطرافنا ولما صار من في القلب اطرافا
تهدد بانزلاق القلب الى الاطراف في كل لحظة
عبر لغة الصمت والخوف و”التقنيع العقلاني”
وعبر تغطيتها بكلام من يريد الا يقول شيئا.
فلنعترف اليوم باننا نحس بمسؤولية ذاتية عن
اخطائنا واخطاء الجميع عن خطايانا وخطايا
الآخرين.
ولنعترف بان الامر كان ولنرجو انه لا يزال
ممكنا. كل ما يعوزنا علية صغيرة وروح كبيرة
وحقيقة كاملة لا نجزئها او نجتزئها حسب ضعف او
مصلحة.
لقد تأخرنا كثيرا على ملء الفراغ بمحبة
التضامن الحقيقي الصلب والثابت. وليس في هذا
القول ضرب من خطأ التوقيت او المفارقة
اللامنطقية. فالمعنيون يدركون بواطن الامور
وان كان ناسنا ممن تغرهم الظواهر. والايام
الآتية حبلى بالكثير، وان كانت ايامنا الماضية
لا تعد الا بالقليل.
لقد تأخرنا كثيرا على ملء الفراغ وليس في هذه
الدعوة الذاتية نوع من الطوباوية او السذاجة
او الطفولية السياسية التبريرية.
ان فيها حقيقة علمية انتروبولوجية. على طريقة
برونو بتلهايم الذي خلص من دراسة معسكرات
الاعتقال النازية الى التأكيد “ان الدفاع
الافضل في مواجهة ا نظمة القمع هو الدفاع
العاطفي (defense affective): تقوية روابط
التضامن والصداقة والمحبة بين الافراد... في
حين يدفع النظام القمعي الى الفردانية”.
ان فيها حقيقة فلسفية ثابتة. على طريقة شارل
مالك (كبير الفكر المقاوم الذي نهل منه
بشير... ترى ممن ننهل اليوم؟!) الذي اكد ان
الحسد الذي يقود الى الحقد انما هو “نزوع
كياني في اتجاه العمّ، و”اتجاه شخصي كياني الى
الفناء”.
وان فيها حقيقة ايمانية جلية. على طريقة “دع
قربانك عند المذبح واذهب اولا فصالح
اخاك...”.علما ان في هذه الحقيقة بالذات علة
وجودنا وهويتنا ونضالنا والقضية”.
وعلى سيرة القربان والمذبح قلة يعرفون ان اهل
القسطنطينية لم يبلغوا النكسة وهم على خلاف
الملائكة الشهير. بل سبق هزيمتهم النهائية
اتفاقهم على اقامة قداسهم الاخير قبل الزوال.
في حالتنا ثمة رجاء كبير ان ابكرنا في
المصالحة وتقديم قربانها انه لن يكون آخر
قداس.
* الدكتور جان
عزيز:
- ممثل القوات اللبنانية في لقاءْ قرنة شهوان.
- صحافي واستاذ في جامعة الكسليك-لبنان.
- باحث في "مؤسسة حقوق الإنسان والحق
الإنساني-لبنان"، العضو المراسل للفدرالية
الدولية لحقوق الإنسان.
- دبلوم دراسات عليا في الفلسفة السياسية.
|