|
يقول الأمير موريس شهاب، في
مقاله عن الأبجدية، في دائرة المعارف : " شبّت
البلاد الفينيقية في القرن الثاني عشر وأصبح
لبنان ملجأ الحضارات القديمة وامتدّت أشعة
حضارته الى البلاد المجاورة، فصار مرجعها في
الأمور الفكرية والفنية " ( المجلد الثاني ،
صفحة 68 ).
التاريخ يشهد على صدق هذا
الكلام. فما كاد الملك داود يجمع شمل القبائل
العبريّة ويوحّد مملكته متّخذاً اورشليم عاصمة
لها حتى اتجّه بأنظاره الى فينيقيا طلباً
للمساعدة. فالتجأ الى حيرام ملك صور كي يمدّه
بالبنّائين والفنّانين وخشب الارز لبناء قصر
له وهيكلاً للّه في أورشليم.
ثم خلفه ابنه سليمان الذي منذ
بداية عهده كتب الى حيرام مذكرّاً ايّاه
بعلاقاته الطيّبة مع داود أبيه ومكرّراً طلب
أبيه : الرجال والعتاد لبناء هيكل اورشليم.
فكان له ما أراد لأن المصالح اتفّقت . ووصلت
صداقتهما الى أبعد من ذلك. فقامت الدولتان
المجاورتان ببعثات تجارية مشتركة انطلاقاً من
مرفأ عصيون جابر باتجاه اوفير وترشيش.
بدون شك تأثّرت جداً الدولة
العبريّة بحضارة فينيقيا وثقافتها. تتلمذ
العبرانيّون على الفينيقيين وأخذا عنهم حروفهم
الأبجدية.
علاقات ودّية مماثلة شهدها
التاريخ في الجيل التاسع بين الفينيقيين وملك
دمشق الآرامي خزائيل الذي كان يرقد على سرير
من العاج من صنع فينيقيا، عليه دوّنت كتابة
بالأبجدية الفينيقية.
وماشا ملك موآب في شرقي الأردن
دوّن سيرة حروبه بحروف أبجدية فينيقية على نصب
تذكاري أقامه لتخليد اسمه وانتصاراته.
أول ما اشتق في الشرق عن
الأبجدية الفينيقية هي الأبجديات السامية.
وقد كتب بعضها أول الأمر بالأحرف الفينيقية
نفسها بدون أي تغيير.
أول كتابة عبريّة أبجدية عرفت
حتى الآن هي روزنامة جازر من الجيل العاشر.
انها تنتسب في خطوطها مباشرة الى حروف أبجدية
احيرام وغيرها من الكتابات الجبيلية وليس الى
تحويرات وتفرّعات كتابية حفظتها لنا بعض
الأسهم في فلسطين. هذا ما يشير الى أن تلك
التفرّعات الأولى كان نصيبها الزوال لضآلة
تأثيرها بالنسبة لمحور الانتشار العظيم :
جبيل.
واذا راقبنا بتدقيق كتابة ماشا
ملك موآب المذكورة آنفاً لا يصعب أن نلاحظ
فيها، كما لاحظ رينان، صفات كتابة لم تعد في
مهدها. رموزها تشير الى استعمال طويل
للأبجدية – الام قبل أن طبقّت على لغات غير
فينيقية.
ومثلها كتابات قبرص ونورا
وسوريا الشمالية.
واذا قابلنا أقدم الكتابات
الآرامية بالكتابة الفينيقية نجد أن الفروقات
ضئيلة جداً بين حروف كل من الأبجديتّين بحيث
لم يعد ممكناً ايجاد أصل للأبجدية الآرامية
مستقلاً عن الجزع العام، أبجدية جبيل. كما ان
عدم المطابقة التامة بين الحروف والنبرة
الصوتية ( فونيم ) في اللغة الآرامية القديمة
يبرهن بوضوح على أن الآراميين استعملوا،
لكتابة لغتهم، حروفاً أبجدية قبل أن يصيغوها
حسب مقتضيات هذه اللغة وميزاتها الخاصة. وهذه
الأبجدية – الام هي أيضاً أبجدية جبيل.
ومن الأرجح أن هذه وصلت أولاً
الى الأوساط الآرامية الشامية ومنها انتقلت
الى الأوساط الآرامية في شمال سوريا حيث عثر
على رقيم قالمو والاله حدّاد... ( لوحة 27 ).
وعن انتشار الأبجدية الفينيقية
منذ القرن التاسع، يقول الأمير موريس شهاب في
مقاله الآنف الذكر : " فها اننا نرى الأبجدية
الفينيقية في القرن التاسع قبل الميلاد،
منتشرة من شواطىء البحر الأطلسي الى ضفاف
الفرات، وحدود البادية. يستعملها الفينيقيون،
والعبريّون، والآراميون، والشعوب التي ستؤلف
فيما بعد المناطق التي سيرتادها النبطيّون...
" وقد اقتبس النبطيّون
الأبجدية الفينيقية، وتطوّرت في أيديهم، وفي
أيدي الآراميين خلافاً لما حدث لها في الغرب.
فان هذه الأبجدية وجدت في البلاد الشرقية، في
محيط شبيه بالمحيط الذي نشأت وشبّت فيه، محيط
سامي تميل عقليته الى الاختزال، خلافاً
للعقلية الغربية الميّالة الى البسط، والشرح.
في هذا المحيط الشرقي تابعت الأبجدية سيرها
نحو الاختزال، على كونها هي في أصلها مختزلة.
فلم تصل عن طريق النبطيين الى العرب الاّ غدت
اختزالاً لاختزال، حتى أصبحت النقاط وحدها في
كثير من الأحيان تميّز بين الحرف والحرف.
وعندما تدفّق العرب في
المعمور، نقلوا الأبجدية التي ورثوها الى
البلاد التي فتحوها.
بعد قبول العرب للأبجدية
الفينيقية، مروراً بالحروف النبطية التي كانت
مستعملة في العراق قبل ظهور الاسلام، لاحظوا
عجز هذه الحروف عن أداء النبرات الصونية لستة
حروف ساكنة في لغتهم، فاذا بهم يضيفون الى
الأبجدية الموروثة هذه الأحرف المجموعة
بكلمتين : " ثخذ، ضظغ ". وهي كلها منقوطة
لأنهم لم يضيفوا لها أشكالاً مختلفة جديدة.
فالى شكل ستة حروف معروفة أضافوا نقاطاً.
ولذلك سمّوها الحروف الروادف، لأن كل حرف منها
يتبع أو يردف حرفاً آخر لا يتميّز عنه الاّ
بنقطة مضافة فوقه.
أما اللغة السريانية المشتقّة
مباشرة من الآرامية فقد كتبت على مرّ العصور
وتعدّد البلدان بثلاث الفباءات، أقدمها
الاسترانجيلية ويليها السريانية النسطورية
وأخيراً السريانية اليعقوبية. وهي مشتقّة من
بعضها. ( لوحة 28 ).
وكل هذه الأبجديات : الآرامية
والعبريّة والسريانية بفروعها الثلاثة كانت
منتشرة في شمال شبه الجزيرة العربية قبل
الكتابة العربية بقرون عدّة. ونلاحظ ان كلاّ
منها، كاللغة الفينيقية، تكوّنت من 22 حرفاً،
وكتبت من اليمين الى الشمال وتبعت الترتيب
عينه – كما في الفينيقية أيضاً – المدوّن حسب
هذه الكلمات التي استعملت لتسهيل الحفظ : "
أبجد، هوز، حطي، كلمن، سعفص، قرشت ".
فضـــل الآرامييـــن
يبدو من خلال ما ذكر سابقاً
ومن دراسات تاريخية هامة ان للآراميين دوراً
كبيراً في انتشار الأبجدية بسرعة في العالم
الشرقي. قبل أبناء النيل بأجيال، نقل
الآراميون لغتهم الى الهجائية الجبيلية
وساعدوا على تعميم نشرها
" ان جميع الهجائيات التي
تستحق هذا الاسم، قديمة كانت ام حديثة، تنتسب
الى حد ما، الى الهجائية الكنعانية
الفينيقية. فآراميو سوريا وبلاد الرافدين
الذين نقلوا لغتهم الى هذه الهجائية، أسهموا
في نشرها بواسطة تجارتهم، حتى الصين والبلاد
العربية. وبفضل الهجائية، احتلّت اللغة
الآرامية مركز الأكادية البابلية كلغة
دبلوماسية وتجارية في الشرق المتوسطي، ومن ثم
كلغة وطنية في مجمل بلاد الهلال الخصيب ".
لأجل موقعهم الجغرافي خاصة –
في لبنان وسوريا وبلاد الرافدين – كان
الآراميون مدعوّين لهذه الرسالة. عاشوا بين
الفينيقيين والأشوريين. والى هؤلاء كانت
تربطهم روابط قرابة قديمة وعريقة.
لذلك لم يجدوا صعوبة في ابلاغ
الأشوريين الذين كان يصل تأثير حضارتهم
وسلطانهم الى أواسط بلاد العرب، الأبجدية
الفينيقية.
ومن جهة ثانية، علاقات
الآراميين بالعبرانيين كانت وثيقة ووديّة لمدة
من الزمن. لأن بني العبران ليسوا سوى فرع من
الجزع الآرامي العام. ربّما تشبّها بأقربائهم
الآراميين قبل العبرانيون اختراع الفينيقيين.
فالكتابة العبرية المربّعة المستعملة حتى
اليوم ليست وليدة الكتابات العبرية القديمة بل
اشتقّت عن الأحرف الفينيقية. وللعلاقات
الحسنة بين صور وأورشليم في أيام حيرام ملك
صور، دور هام في انتشار الأبجدية في فلسطين.
وكما ذكر سابقاً، ان تطوّر
الكتابة الآرامية ساعد كثيراً على تكوين
الأبجدية السريانية والعربية. فاذا حدّقنا
ملياً بالحروف الأبجدية العربية القديمة
المسمّاة الكوفّية، لا بدّ أن نلاحظ الشبه
الأكيد بينها وبين الحروف الآرامية
والفينيقية. انها وليدة التطوّر والتحرير.
ثم ان الانتشار العظيم الذي
لاقته الهجائية الفينيقية، خاصة في أيام حكم
الفرس على لبنان
( 539
– 332)، له نتائج هامة على تاريخ الكتابة.
ومن الأكيد أن بلاد الهند عرفت في ذلك العهد
حروف الهجاء.
ربما ان الهند لم تتعرّف
مباشرة على أبجدية جبيل بل من خلال الكتابة
الآرامية أيضاً. الكتابة المسمّاة هندو –
بكثريانية ( في شمال البلاد ) اشتقّت مباشرة
عن الكتابة الآرامية. انه يتضح علمياً من
عدّة كتابات هندو – بكثريانية قديمة أن هذه
أخذت عن الآرامية في أواخر عهد الفرس وحكمهم
في لبنان، أي عن أبجدية مرحلة التحوّل.
يقول برجيه: ان الهنود
الشماليين أخذوا من الأبجدية الآرامية ستة عشر
حرفاً لا غير وتركوا ستة حروف كانت تمثّل،
بالنسبة اليهم، نبرات صوتية غير معروفة. ثم
أضافوا ستة عشر حرفاً تناسب نبرات صوتية أخرى
غير مألوفة عند الفينيقيين والآراميين.
أما الكتابة الهندية المعروفة
اليوم، فقد قبلت مبدأ الأبجدية عن الفينيقيين
وكوّنت حروفاً خاصة بها بحيث تضاءل الشبه
بينها وبين أبجدية جبيل. وكما يقول جوزف
هاليفي : ان الأبجدية الهندية تشتّق من
الآرامية كالأبجدية الهندو – بكثريانية. بعض
حروفها متّخذة عن هذه الأخيرة والبعض مباشرة
عن الآرامية، وغيرها عن اليونانية.
وهذه الحركة التي حملت
الأبجدية الفينيقية الى أواسط آسيا لم تقف عند
حدّ. بعد محاولات عدّة وصلت حروف الهجاء
الجبيلية، مباشرة أو بواسطة الكتابة الآرامية،
الى ايران، فتكوّنت الأبجدية المسمّاة "
بهلوية " وتلك المسمّاة " زند " التي بها
دوّنت كتب الهند المقدّسة " زند – أفستا ".
هاتان الكتابتان يمكن اعتبارهما فرعين لأبجدية
واحدة مشتقّة مباشرة عن كتابة جبيل أو عن
الآرامية في زمن الفرس.
ليس من مجال هنا للكلام عن كل
الأبجديات التي اشتقّت مباشرة عن الفينيقية أو
عن ابنتها البكر الآرامية. الاكتشاف العظيم
الذي يسمو على أعظم الاكتشافات هو الوصول الى
مبدأ الأبجدية وتطبيقه، كما ذكرنا. أما
نوعيّة شكل الحروف فهي اصطلاحات بالامكان
تحويرها وتطويرها وحتى تغييرها تماماً، حسب
احتياجات الشعوب. لذلك اكتفينا بعرض بسيط
لانتشار الأبجدية في الشرق وسنتبع الطريقة
عينها في الكلام عن الغرب.
انتشـار الأبجديـة في الغــرب
كان للاستقرار والسلام التاميّن اللذين شهدهما
الفينيقيون في عصورهم الذهبية ( 1200- 900 ) ،
الفضل الأكبر في انتشار
أبجديتهم. في هذه الحقبة من التاريخ تقدّموا
في الفنون والصناعة تقدّماً عظيماً. انشأوا
تجارة واسعة مزدهرة واتخذوا من الملاحة سبيلاً
لتوثيق علاقات تجارية جديدة، وتأسيس
المستعمرات " التي لم تكن سوقاً تجارياً
ينقلون اليه البضائع والسلع الماديّة فحسب،
وانما كانت مراكز تنقل اليها النواحي الفكرية
والروحية في حضارتهم الساميّة. فكأن أشرعتهم
كانت تؤلف جزءاً عائماً من تربة فينيقية ".
وكما في الشرق، كذلك في الغرب، تمكّن
الفينيقيون أن ينشروا أبجديتهم ويفتحوا أمام
الشعوب آفاقاً وآمالاً.
قال عثمان صبري في كتابه : "
نحو أبجدية جديدة " : " نشأت من تلك الحروف
الفينيقية حروف جديدة في جزر قبرص وكريت
وأوبيه، احدى مستعمرات الفينيقيين بجزر
الارخبيل اليوناني والتي اضطرّ أهلها تحت ظروف
طارئة الى الهجرة الى شبه جزيرة خلسيديا
بالقرب من سلانيك حيث ظهرت حروف هجائية جديدة
بالحروف الخلسيدية
أخذت في غزو بلاد الاغريق من الشمال، بينما
كانت تغزوها الحروف الكريتية من الجنوب. فكان
من أثر ذلك أن نشأت فيها حروف جديدة هي الحروف
الكورنتية والميليزية. وقد اقتبس الاغريق
سنة 403 قبل الميلاد من كل هذه الألفبائات
الأربعة، الالفباء الأتيكي، الذي صار منذ ذلك
العهد الألفباء الأغريقي الرسمي ولا يزال كذلك
حتى اليوم دون أن يمسّه أي تعديل الاّ في حرفه
السادس فقط وهو : ".
ان الحركات في اللغات السامية
أتت متأخرة جداً عن زمان استعمالهم حروفهم
الساكنة. وان قامت هذه الأحرف بأداء رسالتها
في كتابة اللغة الفينيقية وباقي اللغات
الساميّة، لكنها لم تف بحاجة الاغارقة والشعوب
التي انبثقت لغتها من أصول هندو – اوروبيّة،
لحروف الحركة فيها دور هام. بلا حروف حركة
تبقى الكتابة أو القراءة اليونانية تقريبية،
لا غير. ان كان في اللغات الساميّة الخالية
من الحركة، على القارىء أن يحاول تمييز الكلمة
الصحيحة من بين ثلاث أو أربع كلمات محتملة
القراءة، فعليه في الكتابة اليونانية، ان
اكتفى بالحروف الساكنة، أن يختار الكلمة من
بين حوالي اثنتي عشرة كلمة محتملة القراءة.
لذلك التزم الاغارقة أن يضيفوا سبعة حروف حركة
الى حروف الفبائية الفينيقيين. كما أن الشعوب
اللاتينية، اكتفوا بخمسة من حروف الحركة هذه
لكتابة لغتهم التي لا تحتاج الى أكثر من ذلك.
ألمهم اختراع مبدأ الأبجدية.
وكل زيادة أو نقصان في الحروف عمل ثانوي سهل
التحقيق.
الأبجدية اليونانية أول طريقة
كتابية في الغرب، اقتبست عن الأبجدية
الفينيقية. بعد أن حلّل دوسّو تطوّر شكل
الحروف الأبجدية منذ كتابة أحيرام حتى كتابات
الجيل الثامن، خلص الى نتيجة يعتبرها أكثر
علماء اللغات القديمة أكيدة. وهي أن الأغارقة
أخذوا الأبجدية عن الفينيقيين في القرن التاسع
أو أواخر القرن العاشر ق.م. وبكل تأكيد قبل
كتابات نورا وفينيقيا الشمالية ( الاله حدّاد
والملك قالمو )، نظراً لبعض التطوّر في هذه
الكتابات – خاصة في حرف الدال – الذي لم يترك
له أثر عند اليونان.
ويبدو لنا أيضاً أن الأبجدية
الفينيقية انتشرت في بلاد الاغريق ابتداءً من
الجزر القريبة الى الشرق حيث كان اشعاع
الفينيقيين وتأثيرهم عميقين.
في جزيرة سانتوران أي
تيرا القديمة، عثر على أقدم كتابات أبجدية
اغريقية. وهي تكاد لا تختلف في شيء عن شكل
الحروف الفينيقية.
وذكرنا سابقاً أنه صك في نقد
من نقود مدينة طيبة نقش يمثّل قدموس الفينيقي
يعلّم الاغارقة الحروف الأبجدية. هؤلاء
أنفسهم سموّا أحرف أبجديتهم الأولى " حروفاً
فينيقية " أو " حروفاً قدموسية " نسبة لقدموس
الصوري، المعلّم الأول.
قد لهج اليونانيون الأقدمون
بفضل الفينيقيين عليهم، بنوع أخص، لأنهم
علّموهم حروف الهجاء فوضعوا أساً متيناً
لحضارتهم ورقيّهم. فما أصدق ما قال في هذا
المعنى الأستاذ سعيد عقل : " بدايات أمحادنا،
تلك التي تدور على ثلاثة : استباق جميع
الأمجاد، والهام أجمل ما به آمن البشر، وركز
أسس العقل الأغريقي الذي اعتبر العقل
وكفى...".
لكن اعجاب اليونانيون
بالفينيقيين وتقديرهم، في أيام قدموس وما
بعده، انقلبت الى بغض وضغينة منذ أوائل القرن
الخامس ق.م.، يوم بلغت البلاد اليونانية درجة
عالية في سلّم الرقي والمجد. فشنّ بعض
الكتّاب الأغارقة على الفينيقيين حرب قدح وذم
ناسبين اليهم كل ما أمكنهم نسبته من
المساوىء. وسبب هذا التغّير مصالح لم تتفق،
مزاحمة اقتصادية، خاصة في فن الملاحة وتأسيس
المستعمرات.
بيد أنه برغم الخصومة السياسية
وبرغم ما مرّ من الزمن على تاريخ اقتباس
الأبجدية عن الفينيقيين، قد حافظ الأغارقة في
كتابتهم – ضمن الحدود الممكنة – على شكل
الأبجدية الفينيقة الهندسي وعلى أسماء أحرفها،
فسمّيت حتى اليوم : ألفاً، بيتاً، غاماً،
دلتا...الخ. أي ما يقابل : ألف، بيت، جمل،
دالت...
لهذه الكلمات معان في اللغة
الفينيقية لا يقابلها أي معنى في اليونانية.
هذا ما يدلّ على أن الأغارقة أخذوا الأحرف عن
الفينيقيين ثم حوّروا أسماءها قليلاً، حسب
مقتضيات لغتهم وتركيبها.
وكما في الشرق، كذلك في الغرب،
كان للأحوال السياسية الدور الهام في سرعة ا
نتشار الأبجدية. فعندما ظهر الاسكندر في
القسم الثاني من القرن الرابع ق.م. ، ساعدت
جداً فتوحاته المتعدّدة على نشر حروف الهجاء
الفينيقية الأصل. ثم اقتبس الرومان عناصر
حضارية كثيرة عن اليونان، ربّما في مقدّمتها
الكتابة الأبجدية. ولما سادت روما في الغرب
والشرق ازداد، بانتشار سلطانها، استعمال
الكتابة اللاتينية وأصبح ممكناً خلق أسرة
الأبجدية اللاتينية. ثم ان البرابرة الذين
هاجموا الدولة الرومانية بين القرن الرابع
والسادس بعد الميلاد أفادوا كثيراً من حضارة
الرومان، فتحضّروا وسكنوا اوروبا واستعملوا
الأحرف اللاتينية لكتابة لغاتهم المختلفة.
وهكذا اذاً بعد التطوير والتحرير، غدت
الأبجدية الفينيقية الأصل، أبجدية قسم كبير من
افريقيا والعالم الأوروبي بكلامله.
كما انه بعد مضي حوالي أربعة
أجيال على تأسيس الديانة المسيحية اتسّعت
آفاقها وتحدّدت معطياتها ونمت ثقافتها وأصبحت
الديانة الرسمية للأمبراطورية الرومانية،
فتكوّنت معها حضارة جديدة، وساعد انتشارها على
نشر الكتابة اليونانية في دول كثيرة في الشرق
( لوحة 29 ) والكتابة اللاتينية في الغرب.
وهاتان الكتابتان المنبثقتان عن الأبجدية
الفينيقية تجاوز تأثيرهما حدود الامبراطورية
المنقسمة الى بيزنطية ورومانية.
ومنذ ذلك الحين توسّعت
تدريجياً آفاق الكتابة اللاتينية خاصة باشتقاق
بعض اللغات عنها وخلق أسرة اللغات اللاتينية،
ثم باستعمال أحرفها في كتابة لغات أخرى في
بلدان مختلفة ( لوحة 30 ). أما اليوم فقد غدت
الأحرف اللاتينية الكتابة الأكثر شيوعاً على
وجه الأرض، كما يظهر بجلاء من خلال خريطة
توزيع الكتابات في العالم.
ومنذ سنة 1492، عندما وصل
كريستوف كولمبس الى اميركا، تبعته الى هناك
جاليات عدّة من بلدان مختلفة حاملة معها طرق
كتاباتها المنبثقة عن أبجدية جبيل.
وهكذا بعد انقراض الحضارة
الفينيقية بقرون عديدة انتشرت في العالم
القديم والعالم الجديد أبجدية جبيل التي غدت
ركناً في صروح الحضارة الانسانية.
لكن غاب عن ادراك المؤرّخين
وعلماء اللغات القديمة والآثار شيء هام جدا
ًوهو ان الكتابة الفينيقية نفسها بحروفها
الأبجدية سبقت كريستوف كولمبس الى اميركا
بحوالي 2450 سنة أي في القرن العاشر ق.م.
الفينيقيون، ثم القرطاجّيون، عبروا بسفنهم
المحيط الأطلسي الى هناك ودوّنوا على بعض
الصخور خبر وصولهم بأحرف أبجديتهم، تخليداً
للذكر.
قد برهنّا كفاية عن صدق هذه
النظرية، التي اصبحنا نعتبرها اليوم واقعاً
تاريخياً، في كتابنا : " الفينيقيون واكتشاف
اميركا ". فنكتفي الآن بنشر احدى هذه
الكتابات، المعروفة باسم : " كتابة باراييبا "
نقلاً عن كتابنا المذكور، ( لوحة 31 ).
أما ترجمة هذا النص فهي
على النحو الآتي:
1-
نحن أبناء كنعان من صيدون مدينة الملك. والتجارة رمتنا
2-
على هذا الشاطىء البعيد، أرض الجبال. وقدّمنا ذبيحة بخور للآلهة
3-
والآلهات في السنة التاسعة عشرة لحيرام، ملكنا القدير.
4-
وأتينا من عصيون جابر، على البحر الهادىء. ذهبنا بعشرة سفن.
5-
وكنا في البحر معاً سنتين حول أرض حام ثم انفصلنا.
6-
بيد بعل، فافترقنا عن رفاقنا وأتينا الى هنا اثنا عشر.
7-
رجلاً وثلاث نساء، على هذا الساحل البعيد، الذي، أنا متعشترت
الرئيس،
8-
استوليت عليه. نأمل أن تؤيّدنا الآلهة والآلهات ".
لابدّ أخيراً من جمع بعض
الأبجديات في جدول واحد ابتداءً من أبجدية
احيرام، اي القرن الثالث عشر ق.م.، حتى ما بعد
القرن الثامن الميلادي. وذلك لملاحظة الشبه
الأكيد بينها جميعاً وللاطلاع على تطوّر
الأبجدية الجبيلية الأصل على مدى الأجيال
وانتشارها في سائر أنحاء الأرض.
نختار لهذه الغاية، جدول تطوّر
الأبجدية، كما ورد في دائرة المعارف، المجلد
الثاني، ( لوحة 32 ) . وهو يقسم على النحو
التالي :
1-
أبجدية ناووس احيرام، ملك جبيل، في القرن الثالث عشر ق.م.
2-
أبجدية نصب ماشا، ملك موآب، في أواسط القرن التاسع ق.م.
3-
أبجدية ناووس اشمون عازار، ملك صيدون، من القرن الخامس ق.م.
4-
أبجدية يونانية قديمة مأخوذة عن الفينيقية، ترقى الى القرن
السابع ق.م.
5-
أبجدية لاتينية.
6-
أبجدية عبرية من القرن الثامن ب.م.
7-
أبجدية عربية كوفيّة من القرن الثامن ب.م.
8-
أبجدية عربية نسخيّة.
كل هذه الكتابات تشير الى
تطوّر الأبجدية الجبيلية وانتشارها، والى
الافادة العظمى التي قدّمتها مدنيّة
الفينيقيين للعالم لأنهم " جمعوا الشرق والغرب
بشبكة من العلاقات التجارية والثقافية، وهكذا
كانوا أول من انتشل اوروبا من البربرية... ولم
تكن الروائع الأدبية لتعطي الشعوب المتوسطية
بعض الوحدة، وانما هي الحاجات التجارية. ولا
شيء يبرهن على هذا بطريقة أفضل، من وجود علاقة
سببية فعّالة بين التجارة والحضارة".
الأبجديــة
والأرقــام
كان للأستاذ سعيد عقل الفضل
في اكتشاف حقيقة هامة جداً لمصلحة أبجدية
جبيل. وهي تتعلّق بالأرقام. قد برهن الأستاذ
عقل أن الأرقام المستعملة اليوم في أوروبا
واميركا واكثر بلدان العالم هي أرقام مشتقة عن
الأبجدية الفينيقية. قال في محاضرة له، في
جامعة الروح القدس سنة 1970 ، تحت عنوان : "
عظمة الحواضر الفينيقية، مرتكز القومية
اللبنانية "، باللغة اللبنانية، ما يلي :
" هالأرقام لهي اليوم أرقام
العالم المتمدّن كلّو اكتشفت أنا انّا أرقام
فينيقي ما غيرا. هي بالظبط التسعة أحرف
الأولى من الأبجديي الفينيقيي بيدون تغيير
بمطارحا. انزاد عاكل واحد منا شحتا تا يتفرّق
بين الحرف والرقم.
هي هي، عاسطر حروف وعا سطر
أرقام
وفي اللغة العربية بقي أثر
لاستعمال الحروف الأبجدية الفينيقية كأرقام.
هذا ما يظهر خاصة في الشعر المستعمل للتأريخ.
الكاتبون باللغة العربية استعملوا حروف
الألفباء للتعبير عن الأرقام الحسابية، لا حسب
ترتيبها المعروف اليوم، بل حسب الترتيب
الفينيقي والسرياني، أي على النحو التالي :
أ 1 ي
10
ق 100
ب 2 ك
20
ر 200
ج 3 ل
30
ش 300
د 4
م 40
ت 400
ه 5
ن
50
ث
500
و 6 س 60 خ
600
ز 7
ع 70 ذ
700
ح 8
ف 80 ض 800
ط 9
ص
90
ظ
900
غ
100
أي انهم استعملوا الحروف
التسعة الأولى للآحاد والتسعة الثانية للعشرات
والتسعة الثالثة للمئين. والحرف الأخير وهو
الغين للألف. فلو كانوا تبعوا الترتيب العربي
العادي لالتزموا أن يعتبروا : ت : 3، ث: 4، ج:
5، 000ي : 1000 .
هكذا اذاً كان للفينيقيين في
جبيل فضل لا يقدّر بثمن، لاختراعهم مبدأ
الأبجدية وتطبيقه، وفضل عظيم أيضاً في بسط هذا
المبدأ على الأرقام. وما كان من الغير الاّ
أن نقلوا وقلدّوا وحوّروا حسب احتياجات الزمان
والمكان واللغات والانسان. |