تصميم عام لبنيان فكري نضالي لمسيحيي لبنان

 

Lebanese Information Center Site

 

بقلم الدكتور جان عزيز

يذكرنا هذا الموضوع بسؤال كان سمير جعجع يطرحه دائماً علينا في  لقاءاتنا. كان يقول : "عندما بدأ أنطون سعادة (مؤسس الحزب القومي السوري) التفكير في وضع فكر متكامل للجماعة السياسية التي كانت معه، بدأ بسؤال : "ما الذي جر على أمتي هذا الويل؟" نحن، طبعاً، الويل الواقع علينا كبير جداً، وبالتالي يستحق أن نبدأ بهذا السؤال. وكان  سمير جعجع يقول دائماً إن مشكلتنا متمحورة حول ثلاث جدليات: الجدلية الأولى: قليلون جداً هم المسيحيون الذين توصلوا فعلاً إلى تشخيص  حقيقة المشكلة التي يعيشون.

الجدلية الثانية: قليلون من بين الذين عرفوا حقيقة هذه القضية أدركوا الحل اللازم لها.

الجدلية الثالثة: قليلون من بين الذين عرفوا التشخيص الصحيح والحل اللازم, أدركوا كيفية جمع طاقاتهم وحشد جهودهم وتوحيد الوسائل لتجسيد الحل.

هذه الجدليات الثلاث في تشخيص القضية, وتحديد الحل لها, والعمل الفعلي التنظيمي من أجل تحقيق هذا الحل، جعلتنا نفكر، وعلى مدى السنين الماضية، ما هو البنيان الفكري لنا كمقاومين وكمناضلين في القوات اللبنانية وكمسيحيين في لبنان.

في الأعوام التسعة الأخيرة، شهدنا بلبلة فكرية كبيرة حول ما نفكر به, أو ما هي اقتناعاتنا, أو ما هو المشروع الذي نحمله. وصار هناك لغط  وخلط في مستويات التفكير, خصوصا نتيجة عدم قدرتنا على التواصل الكامل مع بعضنا، ونتيجة تسكير وسائل الإعلام علينا في كل هذه الفترة, ومنعنا من عرض أفكارنا وآرائنا.

سنحاول هنا أن نضع نوعاً من مخطط أو تصميم عام حول أسئلة من نوع: نحن ماذا نفكر؟ أو لماذا نحن نحمل هذه القضية؟ هذا التصميم موزع على أربعة أقسام:

أولاً : ما هي الخلفية الفكرية التي تؤسس لوجداننا العام كأفراد وكجماعة؟

ثانياً : ما هو الهدف الذي يفترض بنا العمل لتحقيقه, انطلاقا من تلك الخلفية المحددة لهويتنا؟

ثالثا:ً ما هو المشروع الذي يجسد هذا الهدف؟

ورابعا:ً ما هو الخطاب السياسي العملي والتنظيمي الذي يضمن تسويق هذا المشروع وتأمين مقومات نجاحه؟

ولكل من هذه الاقسام عناوينه وفصوله التي تحتاج إلى تفصيل كثير، ولكن سنحاول، وبأختصار، عرض هذا التصميم.

غيرأن ثمة ملاحظة منهجية عامة يجدر عرضها بداية, وهي أن ثمة ترابطا سببيا وجدليا كاملا بين هذه الأقسام الأربعة, وتدرجا منطقيا من أولها الى رابعها, كما أظهرنا في تعدادها السابق. كما تجدر الملاحظة بأن الخلفيات الفكرية هي الأساس الثابت الذي لا يتغير ابداً، ومنها ينبثق الهدف الثابت بدوره. فالخلفيات الفكرية والهدف ثابتان لا يتغيران ولا يتبدلان. أما المشروع  والخطاب فيتبدلان مع الظروف، يتغيران حسب المعطيات، يتعدلان حسب الإمكانات والقدرات التي تكون لدى الجماعة، ولكنهما يبقيان دائماً، وفي كل لحظة وحقبة وظرف، منسجمين مع الهدف المطلوب, والمبني بدوره على الخلفيات الأساسية.

 

نبدأ بالقسم الأول: ما هي خلفياتنا الفكرية الأساسية كجماعة إيمانية سياسية في لبنان والمنطقة؟

تتضمن هذه الخلفياتً ثلاثة عناوين:

1-    الخلفيات الإيمانية.

2-    الخلفيات الإجتماعية النفسية.

3-    الخلفيات السياسية التاريخية.

ماذا تعني هذه الاشياء؟

1-    في الخلفية الإيمانية، يعلمنا إيماننا المسيحي أن نكون حاملي قضية الشهادة لحقيقة الانجيل، أي الشهادة ليسوع الرب- الانسان الذي دخل تاريخ البشر وتجسد فيه, وجعل بالتالي من حياة كل انسان مساهمة أساسية وضرورية في حركة التاريخ. مع يسوع الرب – الانسان, لم يعد ايماننا حالة أثيرية هوائية, ولم يعد احساسا انعتاقيا عدميا, ولا مجرد علاقة فردية عامودية بين مخلوق عاجز ههنا وخالق قادر وحده على كل شيء ههناك. مع يسوع صار ايماننا التزاما بهذه الأرض, تجسدا فيها, عقد شراكة كاملة بيننا وبين الرب, أخذنا على عاتقنا من ضمنه, أن نحقق مشيئته على هذه الأرض كما أرادها هو في السماء. يضافالى هذا الأساسا الايماني الأول كوننا أبناء هذا الشرق’ أبناء أرض انطلاق الشهادة ليسوع, وهي الأرض التي قال عنها الرب أنه عند ملء الأزمنة سيظهر نور منها على العالم. من دون مسيحيي الشرق أي نور قد يظهر وأي ملء أزمنة قد يأتي وأي مجيء ثان قد نرجو وننتظر؟! هكذا نجد أن حياتنا في هذه المنطقة من العالم جزء من التدبير الخلاصي للعالم, لا بل جزء من اللاهوت الاسكاتولوجي للمسيحية, لم يعط لسوان ربما. ولهذا ربما يتحدث المجمع الفاتيكاني الثاني عن "الإيمان المتموضع". انه ايماننا في هذا الموضع من الأرض ومن حركة التاريخ. من دونه لا معنى لهذا الموضع من الأرض, ولا معنى كاملا لأيماننا. أنا كمسيحي في هذه المنطقة لا أستطيع أن أحمل الرسالة ذاتها في غير مكان، ولا أستطيع أن أكون في غير مكان وأحمل رسالة أخرى. هذه هي باختصار الخلفية الإيمانية، التي تجعلني أفكر في أن أكون موجوداً هنا لكي أشهد لحضارة الإنجيل وحقيقته,ولأشهد للمسيح: الله -الإنسان في هذه المنطقة من العالم.(قد نعود في مقالات أخرى الى تفصيل هذه النقطة الأساسية في تفكيرنا النضالي, تماما كما النقاط الأخرى التي نكتفي بعرضها الآن على الطريقة التصميم الأولي لا أكثر).

 

2-    الخلفية الثانية التي ً تكون شخصيتنا وهويتنا كأفراد وكجماعة في هذه المنطقة, هي الخلفية الاجتماعية النفسية العلمية. يقول شارل مالك أن الدين هو من أسمى الأفكار المميزة بين البشر، والناس الذين يلتقون حول دين معين يشكلون جماعة تامة، يتمايزون عن كل جماعة تامة أخرى. ليس المقصود بتمايزهم أن يكونوا أفضل.المسألة ليست مسألة تفاضل، من الأفضل من الأخر، أو أن فكرنا أفضل من فكر غيرنا، ولا ندخل هنا في جدليات عنصرية مرفوضة.إنما المقصود أن إيماننا الديني يعطينا شخصية إجتماعية خاصة بنا، وبالتالي شخصية وهوية ثقافية وحضارية تميزنا عن غيرنا وتجعل منا جماعة.(هذه المسألة تحتاج أيضا الى تفصيل لاحق).

 

3-    الخلفية الثالثة وهي الخلفية السياسية التاريخية. بكل بساطة، قضية المسيحيين في لبنان هي، من هذا المنطلق، جزء من قضية الاقليات الدينية في الشرق الاوسط. لأنه كما نعلم،  وبعد دخول الإسلام كدين الى المنطقة في القرن السابع، صارت المسألة الشرقية مختصرة بمسألة الأقليات الدينية. ومسألة الاقليات الدينية اخذت بالزوال تدريجياً من كل الشرق الاوسط إلى أن وصلت الى معقلها الاخير في لبنان، حيث استطاع المسيحيون، بانتشارهم الجغرافي وبوجودهم السياسي أن يشكلوا آخر محطة لمسألة الاقليات الدينية في منطقة الشرق الاوسط كله. وبالتالي فان ثمة بعدا تاريخيا لهويتنا وشخصيتنا الفردية والجماعية, منبثقا من هذه القرون الأربعة عشر من تاريخنا في هذه المنطقة, وهذا بعد آخر ثابت في خلفيتنا الفكرية.

 

هذه الخلفيات الثلاث، خلفيتنا الإيمانية بالشهادة ليسوع المسيح، وخلفيتنا الإجتماعية الثقافية الحضارية كجماعة تامة متمايزة عن الجماعات الاخرى، وخلفيتنا السياسية- التاريخية كآخر معقل لمسألة الاقليات في هذه المنطقة من العالم, هذه الخلفيات الثلاث مجتمعة، تشكل الأساس الفكري للجماعة المسيحية في لبنان، ومن دونها لا يمكن أن نفهم هوية هذه الجماعة وفكرها وثقافتها وشخصيتها وخياراتها خلال التاريخ واليوم وفي المستقبل.

 

إنطلاقاً من هذه الخلفية الفكرية ننطلق الى القسم الثاني، ما هو هدفنا؟

هنا، وبكل بسلطة، ومن دون تعقيد، الهدف له عنوانان: الوجود والرسالة.

المسيحيون في لبنان هدفهم الحفاظ على وجودهم والحفاظ على رسالتهم. الوجود يعني أن يبقوا هم هم. والرسالة تعني أن يظلوا قادرين على أن يشهدوا لثقافتهم ولحضارتهم ولحقيقتهم ولإيمانهم. الوجود والرسالة هما ما نختصره أحياناً بعبارة: الحضور المسيحي في لبنان.

 

ثمة لغط كبير حول هذه المسألة, خصوصا بعد الاستعمال المفرط في الآونة الأخيرة لمفهوم "الدور", والحديث الذمي الانهزامي واللاستسلامي, عن وعي أو من دونه, عن "دور المسيحيين في لبنان والمنطقة". ذلك أننا سمعنا كثيراً في الفترة الاخيرة، على ألسنة سياسيين، وحتى على ألسنة مناضلين، وأحياناً على ألسنة مسؤولين كنسيين وروحيين، أن علة وجود المسيحيين في لبنان هو دورهم. هذا كلام خطير ومرفوض. نحن ليس لنا دور. لأن الدور يحدده الآخر، بينما الحضور نحن نحدده. الدور هو ما يفرضه عليك الغير، أما الحضور فأنت توصله إلى الغير. الدور كالمسرح، كالسينما، كأي تمثيلية، يكتبها غيرك، أنت تحفظ الدور وأنت تؤديه. وعندما ينتهي دورك يشطبك هذا الغير، وعندما يقرر أن يغير لك دورك، تغير نفسك. وعندما يقرر أن يعدل في هذا الدور لا تعود أنت أنت.

 

أما الحضور فهو عكس الدور. الحضور هو أن تظل أنت موجوداً، والرسالة المستندة على الخلفيات الثلاثة التي ذكرناها، تكون هي علة وجودك وتكون هي هدفك. لذلك نجزم بأن ليس الدور, أي دور كان, هو ما يبرر الوجود, بل الوجود وحده كاف لتبرير الوجود, وذلك بالمفهوم الانساني كما الحقوقي والقانوني.

 

إذاً نلخص العنوانين الأولين من بنياننا: نحن كجماعة إيمانية تشهد لحضارة الإنجيل, نحن كجماعة تامة تحمل هوية ثقافية حضارية متمايزة، نحن كشعب يشكل آخر نموذج لمسألة التعددية الديمقراطية وقضية الاقليات الدينية في هذه المنطقة، لدينا هدف واحد واضح: أن نكون موجودين وأن نؤدي رسالتنا، وبالتالي أن نكون حاضرين في هذه المنطقة من العالم.

 

هذان العنوانان، الخلفيات والهدف، هما ثابتان لا يتغيران. سواء كثر عددنا أو قل, يبقيان كما هما. سواء كنا في حالة حرب أو في حالة سلم, يبقيان ثابتين في خلفية فكرنا وفي ممارستنا وأدائنا. سواء كانت لدينا إمكانات أم لم تكن ، إذا كان انتشارنا الجغرافي في كل الوطن أو  في مجرد قرية صغيرة، إذا كنا أكبر من لبنان أو أصغر من قضاء، خلفياتنا وهدفنا لا يمكن أن يتبدلا.

 

وإذا كانت هذه هي خلفياتنا (الثلاث) وهذا هو هدفنا، فما هو المشروع الذي يسمح بتحقيق الهدف المنبثق من هذه الخلفيات؟

المشروع، هنا، يأخذ في الاعتبار المعطيات المحيطة بنا: المعطيات السياسية، المعطيات الجيوبوليتيكية، قدراتنا وامكاناتنا، الظرف الزماني، المعطيات الاقليمية والدولية وموازين القوى، وكل المسائل التي تؤثر في العمل السياسي اليومي.

في العقدين الماضيين، بُحث كثيراً في المشروع الذي يمكن أن يحمله المسيحيون. وأحياناً كثيرة تصارع المسيحيون حول أي مشروع ممكن أن يحملوه. وكما قال الارشاد الرسولي الخاص بلبنان على لسان قداسة البابا، أن المسيحيين،  "قتّلوا وقُتلوا وتقاتلوا", في سياق بحثهم عن المشروع الذي باستطاعته أن يجمعهم. أنا كعنصر في القوات اللبنانية، وبعد سنوات المحنة الطويلة التي مررنا بها، وانطلاقاً من خلفياتنا ومن الهدف المنبثق من هذه الخلفيات، أجد أن المشروع الممكن يجب أن يكون موقعاً على إيقاع المكونات الحالية للبنان الذي نحن موجودون فيه...

ماذا يعني هذا الكلام؟

 

نحن اليوم موجودون في دولة اسمها الجمهورية اللبنانية. هذه الدولة معترف بها دولياً، حدودها الدولية مرسومة بشكل واضح جداً ودقيق. الموازين الاقليمية المحيطة بها معروفة وعلاقاتها الدولية واضحة. لكن الأهم أن هناك ثلاثة مكونات لهذه الدولة:

 

1-    النظام الدولتي  )Etatique( القائم فيها.

2-    الجماعات (الطوائف) الذين يعيشون في هذه الدولة.

3-    الافراد أو الاشخاص أو المواطنون.

 

مشروعنا الذي نحمله لكل المسيحيين ولكل اللبنانيين هو بكل بساطة، ثلاث معادلات لهذه العناوين الثلاثة: الدولة بحاجة الى سيادة كاملة وناجزة، الجماعات بحاجة الى وفاق متوازن، والفرد أوالمواطن أو الشخص أو الانسان بحاجة الى حريات مطلقة وحقوق أساسية كاملة مصونة. مشروع القوات اللبنانية اليوم هو تأمين هذه السيادة للدولة وهذا الوفاق للجماعات وهذه الحرية والحقوق للفرد – المواطن – الشخص – الإنسان.

وبشكل سريع سنحاول تفصيل ما تعنيه هذه العناوين الثلاثة. 

 

في الكلام عن السيادة للدولة، باستطاعتنا أن نفتح أي كتاب حول علم السياسة أو القانون الدستوري ونقرأ ماذا تعني السيادة. السيادة هي أن تمارس الدولة سلطتها على أرضها بقوتها الذاتية وحدها من دون سواها. وبالنسبة إلى وضعنا الحالي، السيادة تعني أولاً وأخيراً انسحاب كل الجيوش الاجنبية من الاراضي اللبنانية، وسحب كل السلاح غير الشرعي من أيادي الناس الموجودين على هذه الارض. فسيادة الدولة اللبنانية اليوم تعني، وبشكل أساسي، انسحاب الجيش السوري من كامل الاراضي بكل قواه الامنية والمخابراتية والعسكرية، انطلاقاً من حق لبنان كدولة عضو في الأمم المتحدة بسيادته التامة على أرضه.

 

في العنوان الثالث, على أن نترك الثاني لما سيلي: الحريات العامة لكل فرد ولكل مواطن.

وبالكلام عن الحريات العامة لسنا في حاجة الى كثيرمن التفصيل. نحن نؤمن بأن الإعلان العالمي لحقوق الانسان هو الوثيقة الدولية التي تحدد ما هي الحريات الأصيلة  التي يجب أن يتمتع بها كل إنسان. وهي حريات مستحقة لكل انسان, بكونه انسانا, وبالتالي فهي ليست منة من قرار ولا من قانون ولا حتى من دستور. الحريات الأساسية التي نصت عليها شرعة 10 كانون الأول 1948 العالمية, لا يمكن تجزئتها ولا انتزاعها ولا حتى التنازل عنها من قبل مستحقها. وهي تملك قوة اثبات واقرار تعلو قوانين الحكام ودساتير الأنظمة وقرارات أي مسؤول.ومن الحريات المطلوبة للفرد  في لبنان اليوم أن لا يكون الوطن محكوماً من الاجهزة الأمنية أو من غرف المخابرات أو وفق المعايير البوليسية المعروفة. فعلى سبيل المثال, الحق في تشكيل الجمعيات( والأحزاب شكل بسيط منها) هو حق مكتسب غير خاضع لأهواء السلطة أو ترخيصاتها, كذلك الحق الكامل في الاعلام والاستعلام, لأن ذلك جزء متدرج من الحق في التعبير والحق في التفكير وبالتالي من الحق في حرية الضمير والمعتقد, وفق منطوق الاعلان العالمي.

 

يبقى العنوان الاخير والذي يقع بين عنواني السيادة والحريات، مطلوب الوفاق للجماعات. علينا أولاً أن نحدد ما هي الجماعات.

بكل وضوح، وانطلاقاً من الخلفيات المذكورة سابقاً, وضماناً لتحقيق الهدف المذكور أيضاً، الجماعات الموجودة في لبنان اليوم هي: المسيحيون من جهة، ومن جهة ثانية المسلمون بتوزعاتهم الثلاثة من سنة وشيعة ودروز. هذه الجماعات القائمة ضمن الدولة اللبنانية نحمل لها مشروعاً عنوانه الوفاق المتوازن. ولنفصل أكثر مفهومنا هذا:

أن وفاق الجماعات اللبنانية المتوازن يجب أن يكون متحققاً وقائما على ثلاثة مستويات:

أولاً، على مستوى السلطات الدستورية في الدولة.

ثانياً، على مستوى الوسائط المجتمعية في الدولة.

ثالثاً، على مستوى الديمغرافيا اللبنانية.

 

أولاً، الوفاق المتوازن على مستوى السلطات الدستورية في الدولة يعني أن المطلوب من السلطات الدستورية المنبثقة من دستور الدولة اللبنانية أن تكون متوازنة بين المسيحيين وبين المسلمين. أي خلل في التوازن على مستوى هذه السلطات لا يمكن ان يؤدي الى تحقيق المشروع الذي يخدم هدفنا, والذي نذكر به: وجود المسيحيين وتأدية رسالتهم المنبثقة من خلفياتهم الفكرية . التوازن في السلطات الدستورية للدولة اللبنانية هو أول عنوان من عناوين الوفاق.

العنوان الثاني من عناوين الوفاق هو التوازن على مستوى الديمغرافيا. وهذا يعني أن المسيحيين والمسلمين الذين يعيشون في هذا البلد، ملتزمون معا بعدم احداث أي خلل غير طبيعي ومصطنع أو مفتعل ازاء ديمغرافيا وجودهم. لا يقبل مشروعنا أي زيادة غير طبيعية لغير المسيحيين ولا أي نقصان غير طبيعي للمسيحيين, ولا العكس طبعا. أي خلل في التوازن الديمغرافي يخرق مشروعنا للبنان آمن مستقر ديمقراطي. فالخلل، أكان بالهجرة أو بالتهجير، بالتجنيس أو بالإلحاق، بالأمر الواقع أو بالاضافات المصطنعة، يؤدي الى خلل في القاعدة الديموغرافية، وبالتالي لا يمكن مع هذا الخلل أن يكون الوفاق المتوازن موجوداً.

العنوان الثالث للوفاق هو حرية الوسائط التي تسمح للديمغرافيا بأن تصل الى السلطة, أو تسمح للسلطات الدستورية بأن تنبثق بشكل علمي وديمقراطي من الناس.

ماذا نعني بالوسائط؟

في كل دولة من دول العالم الحديث، يحاول المواطنون أن يؤسسوا قنوات أو وسائل تسمح لهم بالتعبير عن أنفسهم، من خلال نشاطهم السياسي، تعاطيها في الشأن العام، وعملهم من أجل الخير. في كل دول العالم، هذه الوسائل محددة ومعروفة، وهي أربع:

أولاً: الإعلام، ثانياً: التربية، ثالثاً: الاقتصاد، ورابعاً: التشكل السياسي(الجمعيات والأحزاب).

عندما تتمتع هذه الوسائط بالحرية الكاملة يستطيع الناس أن ينتجوا سلطة تمثلهم فعلا وتكون منبثقة من ارادتهم الحرة حقا. أما أذا كانت حرية أي من هذه الوسائط منتقصة أو غائبة أو معدومة أو مشوهة، فتكون عندها السلطة الدستورية القائمة في النظام المعني منتقصة التمثيل لحقيقة الديمغرافيا المواطنية الموجودة في قاعدة النظام وارادتها.

في لبنان، تضاف الى هذه الوسائط الاربع وسيطة خامسة خاصة,  هي نتيجة واقع علمي وسوسيولوجي وتاريخي ثابت, نقصد بها الكيانات الدينية, أو المرجعيات الروحية اللبنانية, في اطار صلاحياتها الدينية والروحية, وبمعزل عن مفهوم الحرية الدينية الفردية البحتة, التي ينظمها المستوى السابق, حول الحريات الأساسية العامة كما يحددها الاعلان العالمي لحقوق الانسان.

الكيانات الدينية تعني مجموع الكنائس والسلطات الكنسية عند المسيحيين، ومجموع المرجعيات الروحية الدينية المقابلة عند المسلمين.

 

إذاً في لبنان هناك خمس وسائط للمجتمع السياسي نكرر تعدادها: الاعلام، التربية، الاقتصاد، التشكل السياسي والكيانات الدينية.هذه الوسائط الخمس يجب أن تكون مصانة الحرية, كاملة الحقوق لجهة ممارسيها ومستحقيها, من أجل أن يقدر التوازن الديمغرافي على التجسد في توازن مماثل في السلطات الدستورية. فلا يكفي أن تكون الديمغرافيا المسيحية- الاسلامية متوازنة, ولا يكفي أن يكون الدستور قد لحظ مناصفة في عدد النواب والوزراء بين المسيحيين والمسلمين, بل المطلوب أيضا أن تكون ثمة حرية مطلقة للاعلام والاقتصاد والتربية وأنظمة التشكل الساسي والمرجعيات الدينية الروحية, من أجل ضمان أن يكون هؤلاء النواب والوزراء ممثلين لحقيقة المواطنين, بما يضمن التوازن المطلوب, والذي يشكل أساس الوفاق.

هذا هو باختصار المشروع الذي نحمله اليوم والذي يقدر في الظرف الراهن وفي سياق المعطيات الحالية وموازين القوى القائمة، وآخذاً في الاعتبار كل المعطيات الجيوبوليتيكية المحيطة بنا؛ على أن يسمح للمسيحيين بتحقيق هدفهم، والذي هو ضمانة حضورهم, عبر وجودهم ورسالتهم، هذا المنبثق من الخلفيات الفكرية التي تشكل شخصيتهم.

اختلف المسيحيون كثيرا ، في الاربعين أو الخمسين سنة الماضية، حول الخطاب السياسي الذي يجب أن يحملوه. وتحديداً اختلفوا حول نقتطين أساسيتين منه، وهما: السيادة والوفاق.

علام كان الخلاف؟

بكل بساطة، وعلى مدى اكثر من ثلاثين سنة, ومنذ بداية الحرب سنة 1975 خصوصا والى اليوم، انقسم المسيحيون فئتين: الأولى  كانت تقول إنه في سياق سعينا للحفاظ على الوجود المسيحي يجب أن نعتبر ونقتنع بأن ليس لدينا مشكلة مع الخارج، وتحديداً ليس لدينا مشكلة مع سوريا. انما كل مشكلتنا هي داخلية، أي أن كل مشكلتنا هي مع المسلمين. ولذلك كان هناك طرح عند بعض المسيحيين يقول: ليس هناك من مشكلة إذا ما نحن تخلينا عن السيادة لكي نكسب اغلبية مسيحية في الداخل، أي أن نتفق مع السوريين وبواسطة عضلات السوريين نحكم المسلمين في الداخل.

قسم آخر من المسيحيين كان يقول العكس. أي اننا باستطاعتنا أن نتفق مع المسلمين على صيغة ما لحكم لبناني. وبالتالي مشكلتنا الوحيدة هي مع السوريين. لذلك اذا توصلنا الى إفتعال مشكلة ما بين المسلمين والسوريين، نستطيع أن نربح المسلمين ونقدر أن نستعديهم على السوريين، ونوهمهم بأي عنوان ايديولوجي لبناني جامع, نستطيع من خلاله أن نحكم لبنان.

اصحاب النظرية الاولى، نظرية الاستقواء بالسوريين على المسلمين، هم الذين اوصلوا الى اتفاقات عديدة في لبنان، كان آخرها زمنيا الاتفاق الثلاثي.

أما أصحاب النظرية الثانية، نظرية استعداء المسلمين على سوريا عبر وهم ايديولوجي لبناني ما، فهم من اخترع نظريات استيعابية لم تثمر, لا بل لم تلبث أن قوبلت باختراعات أخرى مواجهة، مثل نظرية القومية اللبنانية التي تواجهت مع نظريات القوميات الأخرى, من سورية وعربية.

كان قدر المسيحيين، على ما يبدو، أن ينتظروا أكثر من ثلاثين سنة، لكي يأتي شخص، اسمه سمير جعجع، يقول لهم أن المشكلة في لبنان والتي تمثل حقيقة القضية المسيحية فيه، هي محصلة هاتين النظريتين, مضافا اليهما بعد الوعي والالتزام السياسيين المطلوبين من شعبنا. فنحن لا نستطيع أن نتخلى عن السيادة لنحكم الداخل بقوة الخارج, ولا نستطيع أن نستعدي هذا الداخل بالذات على ذلك الخارج, نظرا الى عوامل التاريخ والدين والوجدان بينهما. نحن مطلوب منا أن نحافظ على السيادة وأن نؤمن الوفاق معا. فلا  نستقوي بالسوري على المسلم, حتى لا نزرع بذلك قنبلة داخلية موقوتة على توقيت ضعفنا الطارئ أو تبدل أهواء السوري ومصالحه وحساباته(أحداث ربيع وصيف 1978 دليل واضح على ذلك).ولا أن نستعدي الداخل على السوري، حتى لا نبني على وهم ونفتح على حدودنا ثغرة تنتظر الفرصة الدولية للانقضاض علينا.( أحداث خريف العام 1990 دليل آخر). واجبنا أن نجترح واقعا يفرض على السوري احترام سيادتنا، ويفرض على المسلم احترام وفاقنا المتوازن معه.

هذا التكامل في الطرح بين السيادة للدولة والوفاق للجماعات والحرية للفرد هو الميزة الخاصة بمشروعنا وهو الوحيد القادر على تأمين اجماع مسيحي حول هذا المشروع, نأمل أن يصير اجماعاً وطنياً.

 

بعد الخلفيات والهدف والمشروع ننتقل الى العنوان الرابع من بنياننا الفكري، ما هو الخطاب السياسي القادر اليوم على حمل هذا المشروع وتحقيقه؟

منذ نحو عشر سنوات، خطابنا السياسي الذي نعتمده لحمل مشروعنا، يرتكز في محوره وجوهره على المطالبة بتطبيق وثيقة الوفاق الوطني. وهنا ثمة مسألة مهمة يجب توضيحها. فعندما نطالب بتطبيق وثيقة الوفاق الوطني، نكون نعني بذلك جوهر وثيقة الوفاق الوطني. لماذا؟ لأن هناك شقين متمايزين في اتفاق الطائف. هناك شق ميثاقي تأسيسي، وهناك شق تنظيمي عملاني.

الشق التنظيمي العملاني يعني في ما يعنيه، عدد أعضاء مجلس النواب وكيفية تشكيل الحكومة واستقالتها وما يتعلق بالانماء والتربية والتعليم والاعلام وغيرها من مسائل تنظيمية تقنية... وهو شق خاضع للتجربة  ولاكتشاف الخطأ، وبالتالي  لمقترحات التطوير والتحسين والتعديل.

اما الشق التأسيسي الميثاقي في وثيقة الوفاق الوطني والذي نطالب  بتطبيقه فورا، والذي نعتبره جوهر الخطاب السياسي المطلوب اليوم لحمل مشروعنا, فيمكن عرضه كالتالي:

نعلم جميعا أن وثيقة الوفاق الوطني عندما اقرت سنة 1989، وضعت في ظل صراع لبناني- لبناني، ولبناني- سوري، حول بعض العناوين الاساسية المتصارع عليها ؛ وابرز هذه العناوين اثنان:

العنوان الاول هو عنوان المشاركة في مقابل السيادة. أي أن المسلمين كانوا يطالبون بأن تكون مشاركتهم في الحكم اللبناني مشاركة كاملة. فيما كان يطالب المسيحيون باستعادة السيادة اللبنانية قبل أي أمر آخر. هكذا كان المسلمون يشترطون أن تصبح المشاركة مطلبا مسيحيا كما هي مطلب اسلامي, ليتحقق الوفاق والميثاق كما يرونهما.وكان المسيحيون يطالبون بأن تكون استعادة السيادة وخروج الجيش السوري من لبنان مطلبا اسلاميا, لينجز الميثاق والوفاق. فجاء اتفاق الطائف بجوهره لكي يكرس هذه التسوية بين المطلبين, وليؤكد بان المسلمين يطالبون بالسيادة كما يطالب بها المسيحيون، وفي المقابل يقبل المسيحيون على تحقيق المشاركة الاسلامية الكاملة في النظام, كما يطالب بها المسلمون.

جوهر وثيقة الوفاق الوطني قائم اذنً على السيادة في مقابل المشاركة، الانسحابات في مقابل الاصلاحات. لذلك نتمسك اليوم  بالعنوان الاول لجوهر وثيقة الوفاق الوطني, لأننا نعتبر أن المسيحيين سددوا القسم المطلوب منهم والمترتب عليهم في شرعة الوفاق الذي صنع في الطائف, وهو اقرار المشاركة، ويبقى على المسلمين اللبنانيين أولا, ومن ثم على السوريين والعرب ودول العالم أن يسددوا القسم المرتبط بهم والمتعلق بسحب الجيش السوري من لبنان, وأول مقتضياته مطالبة اسلامية بضرورة هذا الانسحاب وفوريته, التزاما بما تعهدوا به وفق الشرعة نفسها.

العنوان الثاني الذي شكل جوهر وثيقة الوفاق الوطني هو العنوان المتركز حول وحدة الدولة وتنوع المجتمع:

فمنذ قيام دولة لبنان الكبير عام 1920, كان المسيحيون يقولون بتعدد المجتمكع السياسي اللبناني. فيما كان المسلمون يصرون على المفهوم الوحدوي لبنية الدولة. المسيحيون ذهبوا في مقولة التعدد حتى طرح الصيغ المركبة لشكل الدولة الدستوري. والمسلمون ذهبوا في مقولة الوحوية حتى طرح الغاء التمثيل الطوائفي الجماعاتي في ادارة الدولة وضرورة تحقيق مقولة "الانصهار الوطني" بأشكال تذويبية. وبين الطرحين جاءت وثيقة الوفاق الوطني بجوهرها، تكرس هذه التسوية الثانية من جوهر الوفاق, عندما قالت بأن "لبنان دولة مستقلة ذات وحدة لا تتجزأ" (المادة الأولى من الدستور)، وبالتالي اجابت على هواجس المسلمين, وأضافت بأن هذه الدولة، لا شرعية لأي سلطة فيها تناقض ميثاق العيش المشترك(الفقرة "ي" والأخيرة من مقدمة الدستور)، ولفتت هذه الوثيقة ايضاً الى أن وحدة الدولة يجب أن تنسجم

مع تنوع المجتمع, وذلك عبر تطبيق لامركزية موسعة على مستوى القضاء فما دون.

 

ويبقى عنوان جوهري ثالث من وثيقة الوفاق, وهو المتعلق بالتسوية الثالثة بين القول بنهائية الكيان اللبناني وفق المطلب المسيحي, وبين القول بلبنان "عربي الهوية والانتماء", وهو عنوان مفتوح على تطور العصر والثقافات والحضارة والمفاهيم العلمية لمضمون كل من هذه, خصوصا لجهة تطور مفاهيم هويات الشعوب ومحدداتها الثقافية. وهو في كل حال عنوان متروك الخوض فيه لمناسبات أخرى.

المهم أننا نتمسك اليوم بالدعوة الى تطبيق جوهر وثيقة الوفاق الوطني كخطاب سياسي لنا قادر على حمل مشروعنا, لأننا نعتبر بأن المسيحيين أوفوا بالقسم المرتبط بهم والمتعلق بتحقيق المشاركة عبر اقرار الاصلاحات الدستورية كاملة غير منقوصة, وعبر حفاظهم على وحدة الدولة، ويتبقى على المسلمين اللبنانيين أولا, وعلى سوريا وعلى العرب وعلى العالم, أن يفوا بما تعهدوا به هم من سحب الجيش السوري من لبنان, والحفاظ على تعددية مجتمعنا والاقرار بتنوعه السياسي والجماعي والكياني عبر المتطلبات التي فرضتها وثيقة الوفاق الوطني.

هذا الخطاب السياسي الذي نحمله منذ عشر سنوات، هو الخطاب الذي يخدم مشروعنا كقوات لبنانية، في محاوره الثلاثة: السيادة للدولة والوفاق للجماعات والحرية للفرد. وهو المشروع  الذي يؤمن هدفنا الثابت في ضمان وجودنا وتأدية رسالتنا كمسيحيين في هذه المنطقة من العالم, أفرادا وجماعة, وهو الهدف المنبثق من ثوابتنا الإيمانية والإجتماعية والتاريخية السياسية.

هذا البنيان، هذه العناوين الأربعة، من الخلفيات، الى الهدف، الى المشروع، الى الخطاب، لم يعيها شخص عبر تاريخنا كما فعل سمير جعجع. ولم يدرك أحد حقيقة تشخيصها وحلها والعمل لتجسيد هذا الحل كما فعل هو, ولذلك كانت الضربة الأقسى التي سددها الخصم الأول لهذا البنيان، موجهة الى سمير جعجع نفسه. ولذلك نحن نعتبر أن من أجل تحقيق هذا البنيان الفكري للبنانيين عموماً وللمسيحيين خصوصاً يجب أن يكون سمير جعجع حراً. ولكن من أجل أن يكون سمير جعجع حراً يجب علينا جميعاً كقواتيين وكمناضلين وكمسيحيين أن نتمسك بهذا البنيان في عناوينه الأربعة بشكل متكامل من دون أي اجتزاء، من دون أي مساومة ومن دون أي تنازل.

 

* الدكتور جان عزيز:

- ممثل القوات اللبنانية في لقاءْ قرنة شهوان.

- صحافي واستاذ في جامعة الكسليك-لبنان.

- باحث في "مؤسسة حقوق الإنسان والحق الإنساني-لبنان"، العضو المراسل للفدرالية الدولية لحقوق الإنسان.

- دبلوم دراسات عليا في الفلسفة السياسية.

 

ملاحظة: هذا البحث هو تدوين للقاء اذاعي مباشر ومرتجل, جرى ضبطه وتنقيحه في اطار مقال مكتوب. 

close