جبيل مهد الأبجدية

 

A Bequest Unearthed, Phoenicia Site

بقلم الأب أميل اده

أقوال المؤرخين وعلماء الآثار

أجمع المؤرخون القدامى على الاقرار بأن الفينيقيين أذاعوا ونشروا الحروف الأبجدية في الشرق ابتداءً من الدول المجاورة، وفي الغرب ابتداءً من اليونان.  نذكر ، على سبيل المثل ، كلام المؤرخ اليوناني هيرودوتس، من الجيل الخامس ق. م. : " هؤلاء الفينيقيون الآتون مع قدموس أدخلوا عند اليونان كثيراً من المعارف، من بينها الحروف الأبجدية التي، كما يظهر لي، لم يكن هؤلاء على علم بها قبلاً "

 

 وأجمع كذلك المؤرّخون وعلماء الآثار في القرن الماضي وجيلنا القائم على الاقرار بفضل الفينيقيين على العالم كله، بسبب نشرهم في الشرق والغرب الأبجدية الفينيقية الشهيرة المعروفة باسم أبجدية جبيل.

 يقول في هذا المعنى الدكتور فيليب حتّي :

 "لا شك بأن أعظم نعمة أسبغها الفينيقيون على الحضارة الانسانية كانت اكتشاف الحرف.  كان الفينيقيون أول شعب استعمل حروفاً هجائية صرفة في الكتابة.  وكانو الى جانب هذا ناقلي هذا الحرف وناشريه في العالم المتمدّن آنذاك" .

 

 وكتب ساباتينو موسكاتي :

" أحد أعظم أمجاد الفينيقيين ، وربما الأعظم على الاطلاق هو أنهم نشروا الأبجدية في بلدان المتوسط.  وليس من شك بتاتاً أن الفينيقيين علمّوا اليونان الكتابة الأبجدية، كما أن الفينيقيين واليونان أدخلوا هذه الكتابة في الغرب." هذا الحدث ثابت حقاً ويكفي لوحده أن يعطي الفينيقيين مكاناً ودوراً هامين في تاريخ الحضارة ".

 

وكتب فيكتور بيرار في : " قيامة هوميروس " :

" اننا نعجز عن أن نفهم أي شيء من عادات آخيا الاغريقية وفنونها ونظرياتها ومعيشتها ولغتها، ان لم نأخذ بعين الاعتبار، في الدرجة الاولى، خدمات اولئك المربّين (أي الفينيقيين) الجامعة وتجارتهم بكل أصناف البضائع.

" وكيف السبيل الى الشك في أن بلاد الاغريق الأيونية وجدت كتّابها الأوائل وعلماءها وشعراءها في بلاط ميلات، بين الملوك الميلاتيين والارستقراطية القدموسية ".

وذكر جورج كونتنو، في كتابه : " المدنّية الفينيقية " :

" بفضل ميلهم الى التجارة والملاحة، بسط الفينيقيون أسباب الراحة والرفاه وكل ما يعطي الحياة رواء.  وسواء اخترعوا الأبجدية أم لم يخترعوها، فانهم نشروها في العالم القديم وفتحوا آفاقاً جديدة للفكر وقدّموا بذلك للمدنيّة خدمة لا تقدّر" .

وكما لاحظنا من قراءة هذا الكتاب ان الكاتب الفرنسي المذكور يعتقد تمام الاعتقاد أن الفينيقيين اخترعوا الأبجدية في مبدأها وأشكالها.  لكنه يفترض – وهو يعرف أن الافتراض غير صحيح – انه في حال الوصول الى برهان يثبت أن شعباً آخر غير الفينيقيين اكتشف الأبجدية، يكفي لهؤلاء الفخر في نشر هذه الكتابة في الشرق والغرب بسبب ما ينتج عن عملهم من نتائج عظيمة لخير البشرية.

 لا حاجة بعد الى ترداد أقوال المؤرخين القدامى والمحدثين عن هذا الاختراع العظيم – الذي اعتبر أعظم اختراع على الاطلاق في العالم القديم – ونسبته الى الفينيقيين.  الاجماع في هذا المجال واضح.  يكفينا أن نذكر أنه على احدى نقود مدينة طيبة  (Thebes) اليونانية نقشت صورة لقدموس يعلّم الأغارقة الكتابة الأبجدية .

 وهناك نقد آخر لمدينة بيروت يمثّل اوروبا أخت قدموس على ظهر ثور يشق بها الأمواج، كما في الميتولوجيا اليونانية.  وقد أمسكت بقرنيه وهبّت الريح تتلاعب بمعطفها الأرجواني.

 ونقد ثالث لصور في القرن الثامن يمثّل قدموس في فناء الهيكل يعلّم فتيان اليونان حروف الهجاء الفينيقية الأصل.  وهكذا يغدو قدموس الصوري معلّم معلّمي العالم، حامل شعلة الثقافة الى الأغارقة الذين بدورهم حملوها الى العالم الغربي.

 وقد خصص الكاتب الفرنسي أناتول فرانس صفحات لقدموس والأبجدية في كتابه : " حديقة ابيقور " ، تخيّل فيها أن شبح قدموس زاره يوماً في مكتبه ودار بينهما حوار شائق نقتبس منه ما يلي :

" قدموس : لقد علّمت اليونان مبادىء جميع الفنون.  في مقابل ما أخذت منهم من القمح والخمر والجلود.  أعطيتهم كؤوساً حفرت عليها رسوم اليمام وتماثيل صغيرة من الفخار أخذوا في تقليدها منذ ذلك الحين، مع بعض التعديل حسب أذواقهم.  ثم منحتهم ألفباء لولاه ما استطاعوا أن يثبتوا ولا أن يوضحوا أفكارهم التي يعجبون بها الى اليوم.  هذا ما عمله قدموس العجوز... وما دام نصيبك من الذكاء يا سيدي أقل من أن يجعل منك تاجراً ولذلك فقد أصبحت كاتباً كما أرى، تكتب كما كان يفعل قبلك الأغارقة، فقد وجب عليك أن تكرّمني تكريم الآلهة لأنك مدين لي بالألفباء.  بالواقع، أنا لست مؤلفها.  فلم أوجدها الا لتسهيل أعمالي التجارية دون أن أتنبأ بما سوف تستخدمه فيها الشعوب الأديبة.  لقد كنت في حاجة لطريقة كتابة بسيطة وسريعة... ولو أني وجدت في متناولي كتابة جيدّة لما أجهدت نفسي في اختراع غيرها.  ولكني لم أجد أمنيتي لا في هيروغليفية الشعوب التي تسموّنها اليوم الحثيّة دون أن تعرفوها ولا في الكتابة المقدّسة المصرية.  وقد كانت هذه كتابات معقّدة بطيئة تصلح لأن تكسى بها جدران المعابد والمقابر أكثر من أن تحفر على ألواح التاجر.  أسلوب هذه الكتابات كلها كان رديئاً... ولكني بفكرة عبقرية اخترت اثنتين وعشرين علامة من العلامات الكثيرة لأجعل منها الاثنين والعشرين حرفاً التي يتكوّن منها الفبائي.  وهي عبارة عن رموز يمثّل كل منها صوتاً واحداً ويمكن بتجميعها – في سهولة وسرعة – تصوير جميع الأصوات بأمانة، ألم يكن ذلك عملاً رائعاً ؟

" أناتول فرانس : بل كان أروع مما تظن.  فنحن مدينون لك بحاضر عظيم.  فلولا هذا الالفباء ما دونت الخطب وما وجدت الأساليب ألادبية وبالتالي الأفكار الدقيقة والتجريدية والفلسفات المتقنة التركيب.  حقاً ان اختراعك لجميل وثمين جداً ولكنه جاء ناقصاً لأنك لم تفكر في وضع حروف الحركة التي اوجدها بعدك الأغارقة الأذكياء الذين كان من نصيبهم في هذه الدنيا أن يصلوا بكل شيء الى حدود الكمال.

" قدموس : حروف الحركة  !  لقد كنت دائماً معتاداً على خلطها ببعضها كما أظن انك لاحظت عليّ في هذه الليلة.  قدموس العجوز يتكلّم من حلقه.

" أناتول فرانس :  اني لأسامحه في ذلك بل وأسامحه... في كل شيء لأنه أهدى الى اليونان والعالم أثمن هديّة أي الاثنين والعشرين حرفاً التي يتكوّن منها الألفباء الفينيقي الذي منه اشتقّت جميع أبجديات العالم.  ولم تظهر على سطح الأرض فكرة دون أن تثبتها هذه الحروف وتحفظها.  فمن أبجديتك يا قدموس الالهي اشتقت الكتابات الاغريقية والرومانية التي انبثقت منها جميع الكتابات الأوروبية.  ومن الفبائك كذلك تفرّعت كل الكتابات السامية، من الارامية والعبرية الى السريانية والعربية.  وهذا الألفباء الفينيقي نفسه هو ابو الألفباء الحميري والحبشي وكل الفباءات آسيا الوسطى كالزند والبهلوي وحتى الالفباء الهندي الذي تولد منه الدفنجاري وكل الفباءات آسيا الجنوبية.  فما أعظم هذا النجاح العالمي !  انه لا توجد على وجه الأرض في هذه الساعة كتابة واحدة ليست مشتقة من الكتابة القدموسية.  فكل من كتب اليوم كلمة مدين بالجميل للتجّار الكنعانيين القدماء...". 

ان ما ذكر في هذا الحوار الذي اقتبسنا منه بعض فقرات هو مزيج من الميتولوجيا والتاريخ وخيال الكاتب.  ويستند أيضاً الى الرأي العام السائد في زمانه وفي كل زمان.  ومن الميتولوجيا والتاريخ تكوّنت أيضاً شخصية قدموس الذي يذكر المؤرخون أنه عاش في أواسط الألف الثاني قبل الميلاد.  أمّا الأبجدية فنعتقد أنها عمل شعب أكثر منها عمل فرد.  وهي، بدون شك، أعظم اختراع للانسان في العصور القديمة لأنها كانت نقطة تحوّل في تاريخ الحضارة الانسانية وكانت ولا تزال أساً للفكر البشري ونشر الثقافة.  ولما كان الفينيقيون أشهر الشعوب القديمة في التجارة والأسفار البعيدة والتنقّل عبر البحار حملوا مع سلعهم التجارية حروفهم الأبجدية الى كثير من البلدان المجاورة والبعيدة.

ومن الدواعي الهامة لسرعة انتشار الأبجدية أنها أوفى وأكمل ما اهتدى اليه الانسان ليكون أداة للكتابة وللتعبير عن سائر الافكار البشرية.  ومن الأكيد أنه كلما كانت الاداة بسيطة وسهلة الاستعمال كلما كانت أوفى بالغرض الذي أعدّت من أجله، وبذات االفعل يكون انتشارها أسرع وأسهل.

وهناك سبب آخر لسرعة انتشار الأبجدية الفينيقية، وهو لأنها تتألف من أحرف ساكنة – أي صامتة أو مصوّتة مع غيرها، كما يسميّها البعض -. اكتفى الفينيقيون في كتابتهم بتدوين النبرات الأساسية التي ترمز الى هيكل الكلمة بوجه عام، معتمدين على علم القارىء وذكائه في تحديد تفاصيل نطقها.  وكانت طبيعة اللغة الفينيقية خاصة واللغات الساميّة عامة، الدافع على الاكتفاء باستعمال الحروف الساكنة وحدها.  في كل هذه اللغات تغلب الكلمة الثلاثية أي المكوّنة من ثلاثة أحرف، فيسهل التنبؤ بحركتها نظراً للمعنى العام للجملة.  فالسبب اذاً ليس كما قال اناتول فرانس : " قدموس العجوز يتكلّم من حلقه ".

ولقد كان التشابه بين لغة الفينيقيين ، من هذه الناحية، وسائر اللغات الساميّة في البلدان المجاورة سبباً لقبول جيرانهم بسهولة، هذه الحروف، واستعمالها كما هي، أو بعد تحوير بسيط، لكتابة لغاتهم حسب ذوق الشعوب ومتطلبّات الكتابة.

 اعتبر بعض اللغويين والمؤرّخين أن عدم استعمال الفينيقيين لحروف الحركة كان نقصاً في أبجديتهم، كما ذكر اناتول فرانس وغيره.  لكن لا بدّ أن نذكر أن هذا الواقع سهّل على جميع اللغات في العالم – ما عدا تلك التي لا تزال على الأسلوب التصويري كالصينية واليابانية- أن تتخّذ الألفباء وسيلة للكتابة، لأن اللغات لا تختلف احداها عن الأخرى،  الاّ في ما ندر، بالحروف الساكنة أي الصامتة، انما تختلف في حروف الحركة أي الصوتيّة.

 اكتفى الفينيقيون  اذاً باثنين وعشرين حرفاً لكتابة لغتهم، فسجّلوا النبرات الصوتية الساكنة فقط، كما ذكرنا.  اسلوبهم الكتابي هذا كان له الحظ والحق في أن ينسجم بسهولة مع باقي اللغات في العالم القديم ثم الحديث.  هذه حروف سهل تصويرها وصنعت خصيصاً للمعاملات السهلة وللكتابة على ورق البردي وغيره من وسائل الكتابة، فانتشرت مع هذا الورق وهذه الوسائل الكتابية، بفضل تجارة الفينيقيين في البلدان المتاخمة لحوض البحر الأبيض المتوسط.

 الأبجدية، كما يقول موريس دونان، هي من الاختراعات الانسانية الحاسمة، النهائية.  قد حلّت بطريقة تجريدية ممتازة معضلة صعبة.  وها هي بعد أربعة آلاف سنة، وفي عالم يعيد النظر في كل شيء، باقية، من خلال وجوهها المتعدّدة، على الشكل الذي وضعه لها مخترعوها الأولون.  فهي صامدة ازاء تطوّرات المدنيّة جميعها.  والمدنيّة لن تنقض الأبجدية بل تسهّل انتشارها كي تعمّ جميع الدول والشعوب.

أما كيف تمّ تطوّر الأبجدية وانتشارها ؟  لمعرفة ذلك يجب الاستناد الى الآثار والحفريات.

ما بعد أحيرام

 تكلّمنا سابقاً عن كتابة أحيرام وعن نصوص أبجدية وبسيدو – هيروغليفية أقدم عهداً من هذا الملك الذي اشتهر بعد وفاته بثلاثة وثلاثين قرناً تقريباً، ربما أكثر من السنين التي كان فيها على أحضان الحياة.  بقي علينا اذاً أن نتكلّم عن ما بعد أحيرام، أي عن تطوّر أبجدية جبيل وانتشارها منذ القرن الثالث عشر ق.م. ، الى أن عمّ استعمالها تقريباً في الشرق والغرب.

في جبيـــل :

 على مدى سبعة قرون تقريباً – من الثامن عشر حتى الحادي عشر ق.م. – كتّاب جبيل وحدهم قدّموا لنا نصوصاً تشير الى تطوّر الأبجدية الفينيقية الأصيلة.  ومن أشهر الآثار الكتابيّة في جبيل بعد أحيرام الكتابات التالية :

 1 - كتابة أبيبعال

 في أواخر القرن الماضي، عثر في حفريات بيبلوس على تحفة أثرية ذات قيمة لا تقدّر بثمن.  وهي تحمل كتابة هيروغليفية مشهورة لأنها شعار الفرعون ششهونك الأول ملك مصر.  وبالاضافة لهذا الشعار نقشت على هذه القطعة التاريخية، التي هي جزء من قاعدة تمثال، ثلاثة أسطر غير كاملة باللغة الفينيقية .

 كان أول من حاول ترجمة النص الفينيقي كلارمون – غانّو  ثم تبعه ليدزبرسكي لكن في أواخر القرن الماضي واوائل هذا القرن ما عرف علماء الآثار والمؤرخون القيمة التاريخية لهذه الكتابة.  ومن أهم الأسباب عدم معرفتهم في ذلك الوقت تمييز حرف الكاف القديم من حرف السين.  فاعتبروا أبيبعال الذي تتكلّم عنه الكتابة شخصاً برتبة " ترجمان ".  وما أن توصّل دوسّو الى قراءة حرف الكاف في الكتابة حتى أصبح واضحاً أن أبيبعال هو ملك جبيل الذي عاش في أيام الفرعون شيشونك الأول، أي في الثلث الأخير من القرن العاشر.

 ولا بد من الاشارة الى أن شكل الحروف يشبه كثيراً كتابة أحيرام.  وليس هذا بغريب، لأن كتابة أبيبعال تاريخياً ولغوياً، أشبه بنقطة وصل بين أحيرام وماشا ملك موآب.

 وهذه ترجمة كتابته حسب دوسّو :

 " قد قدّم أبيبعال ملك جبيل ومولى جبيل في مصر الى الهة جبيل واله جبيل ".

علماء اللغات الشرقية القديمة يعترفون اليوم بأن ترجمة دوسّو هي الترجمة الصحيحة.

ويقول بيار مونتيه أن هذا التمثال كغيره من السلع كان ثمناً للخشب الذي كانت جبيل ترسله الى مصر.

 2-    كتابة اليبعال

وعثر كذلك في جبيل على قطعة من تمثال نصفي للفرعون اوسورخون (لوحة 22)، الذي خلف شيشونك المذكور آنفاً، في أواخر الجيل العاشر.  على التمثال نقشت أيضاً كتابة فينيقية من ثلاثة أسطر.  (لوحة 23) .

يبدو لنا أن الفرعون أرسل تمثاله النصفي الى ملك بيبلوس.  هذا كرّسه في الهيكل مقدّماً اياه لالهة جبيل.  وكان لدوسّو الفضل في الوصول الى ترجمة صحيحة للكتابة على النحو الآتي :

1-    التمثال الذي صنعه اليبعال ملك جبيل تقدمة

2-    لالهة جبيل عن نفسه.  فلتطل أيام

3-     اليبعال وأعوامه (أعوام ملكه) على جبيل " .

قبل اكتشاف ناووس أحيرام وفك رموز كتابته لم يكن سهلاً الوصول الى ترجمة هذه الوثيقة والى تفهّم دقيق للكتابة ابيبعال.

3 -  رقيم الملك يحيملك 

ولا بدّ من ذكر كتابة من سبعة أسطر باللغة الفينيقية نقشت على حجر كلسي.  وهي المعروفة بكتابة يحيملك ملك جبيل.

يعتقد جورج كونتينو وغيره من المؤرّخين انها من أواخر القرن الثاني عشر ق.م.، بينما يقول آخرون انها ترقى الى القرن الحادي عشر أو العاشر ق.م.

4-    رقيم يهوملك، ملك جبيل من القرن الخامس أو الرابع ق.م.  (لوحة 24)

 خارجــاً عن جبيـــل :

أما خارجاً عن جبيل، فليس بين أيدينا نصوص فينيقية كثيرة ترقى الى ما قبل القرن الثامن ق.م. كي نتمكّن أن ندرس باسهاب تطوّر الكتابة الأبجدّية وانتشارها.  على كل حال، لا بدّ من ذكر أهم هذه الكتابات :

1-  سهم الرويّسة :  من الناحية الاركيولوجية، اكتشاف سهم الروّيسة في النبطية (لبنان) لم  يكن شيئاً هاماً.  هو قطعة من سهم برونزي كغيره من الأسهم.  لكن، بسبب الكتابة الأبجدية التي حفرت على جهتي السهم، فلهذا الاكتشاف قيمة عظيمة.  يعتقد الأب رونزيفال ان الكتابة الفينيقية المدوّنة عليه هي من القرن الثاني عشر ق.م.   أما دوسّو وفيروللو فيفترضان انها من القرن العاشر.  بينما ان موريس دونان ينسبها الى القرن الحادي عشر.

     2- رقيم ماشا ملك موآب الذي يرقى الى حوالي عام 842 ق.م.

     3- في مملكة زندجرلي (سوريا) التي بلغت اوج عزّها في أواخر القرن التاسع وفي القرن الثامن ق.م. عثر على كتابتين بأحرف الأتجدية الفينيقية من القرن التاسع.  احداهما معروفة باسم الملك قالمو والثانية باسم الاله حدّاد.

     4- كتابة خزيال ملك دمشق على تخت من عاج من صنع فينيقي، في القرن التاسع ق.م.

     5- كتابتان في نورا من أعمال سردينيا .

6-    وفي قبرس عثر أيضاً على كتابة فينيقية نقشت على كأس من برونز مهداة لاله لبنان.  ومن الأرجح أنها من القرن الثامن ق.م.

7-    رقيم تبنيت وابنه أشمون عازار، ملكي صيدون، في القرن الخامس ق.م. ( لوحة 25 ).

    النصوص القليلة التي اكتشفت حتى الآن هي برهان لا بأس به على أهمية التأثير الفينيقي في البلدان المجاورة وسرعة انتشار الأبجدية.  كتابة ماشا ملك موآب كتبت بأحرف أبجدية جبيل وان لم تكن لغة الشعب فينيقية بل اللغة الموآبية القريبة الى الفينيقية والعبرية معاً.  وفي مملكة زندجرلي التي كانت تدور في فلك أشور، كتابتا الملك قالامو والاله حدّاد نقشتا بحروف أبجدية جبيل ولغتها رغماً أن لغة الشعب كانت الآرامية.  وعثر كذلك قرب زندجرلي على كتابة أخرى من القرن الثامن ق.م.، كتبت بحروف فينيقية لكن بلغة أناتولية.

أثبتنا سابقاً لوحة للمقابلة بين كتابة الأبجدية الفينيقية منذ القرن السابع عشر حتى التاسع ق.م. ( راجع لوحة 13 ). والآن لزيادة الايضاح  ولتفهّم تطوّر حروف الأبجدية نثبت لوحة ثانية لبعض الكتابات منذ احيرام حتى القرن الثامن، نقلاً عن دوسّو في مقاله الشهير في مجلة سوريا  ( لوحة 26 ).

لا بدّ أن نلاحظ هنا أنه يوم وضع دوسّو لوحة المقابلة هذه لم تكن بعد اكتشفت في جبيل الكتابات الماقبل أحيرام أي اسدروبال وشفطبعال وعبدو. ولذلك لم ترد في مقابلته.

أما من يدرس لوحتي المقابلة المذكورتين دراسة نقدية شاملة فيلاحظ أن حروف كل واحدة من هذه الكتابات تختلف عن السابقة والتابعة لها اختلافاً بسيطاً جداً رغماً عن انتشارها في بلدان مختلفة.

هذا الواقع يشير الى أن كتابات جبيل والروّيسة وسوريا الشمالية وقبرس وسردينيا تمثّل حلقات منوّعة لتطوّر أبجدية واحدة.

هذه المرحلة الأوليّة، البدائية للأبجدية، حسب رأي دوسّو، تبدأ في القرن الثالث عشر وتنتهي في القرن الثامن ق.م. وحسب موريس دونان، بدايتها في القرن السابع عشر ونهايتها في أواسط القرن التاسع ق.م. من أشهر ميزاتها أنها تطوّرت في بلدان مختلفة باتجاه واحد منطقي.  وذلك نتيجة لنموّ تأثير الفينيقيين وازدهار تجارتهم، خاصة ما بين سنة 1200 – 900 ق.م.، أي في العصور الذهبيّة الفينيقية، حين شهدت فينيقا استقراراً وسلاماً تامين ولم تعترف بسيادة أي دولة غريبة عن أرضها.

من هذه الاثنتين والعشرين علامة انبثقت كل الابجديّات في العالم، وان ظهرت في شكلها الآن، بعد مئات السنين، مختلفة عن شكل الحروف الجبيلّية .

هذا الواقع الذي أجمع على الاعتراف به المؤرخون القدامى، نعتبر اليوم أنه برهن على صحتّه كفاية، ليس فقط في ما ينسب الى بلدان الشرق الأوسط وما حواليها، بل الى كل اللغات في الشرق والغرب، في الشرق ابتداءً من البلدان المجاورة وفي الغرب انطلاقاً من بلاد الاغريق.

 يتبع في العدد المقبل

close