حديثنا اليوم عن مظهر أساسي من ظهورات الربّ يسوع بعد القيامة، كي نتمكّن من دخول عمق هذا السرّ - سرّ قيامة الرب يسوع. لن نتكلّم عمّا يسمّى أعجوبة القيامة، فليس هنالك من أعجوبة. إنّ إحياء لعازر هو أعجوبة إنّما قيامة يسوع ليست بأعجوبة. لماذا؟؟ لأنّ الأعجوبة هي حدث خارق الطبيعة تتمّ أمام الإنسان لكي توصله إلى ما هو أبعد منها. مثلاً بقيامة لعازر من القبر، الجميع رآه يخرج من القبر وهنا الأعجوبة. وتلي الأعجوبة آية أو علامة، قالها يسوع لمرتى ومريم وهي: "أنا القيامة والحياة". إنّ بإحياء لعازر علامة على أن يسوع هو القيامة والحياة. وقد حدثت أمام الجميع. أمّا قيامة يسوع فلم يشاهدها أحد. الرسل والمريمات وتلميذيّ عمّاوس شاهدوا يسوع الحيّ واختبروه، أمّا حدث القيامة فلم يره أحد. وصلت مريم إلى القبر ورأت الحجر مدحرجاّ وقال لها ملاك أنّ يسوع ليس هنا في القبر. لم يره أحد حتّى الحراس. فقد شاهدوا الحجر يتدحرج وملاك جالس على الحجر، وأصبحوا هم كالأموات.
هذا أمر أساسي بالغ الأهميّة. حدث القيامة لم يره أحد. أصرّ على هذا الأمر لكي أقول أنّ من كتب الأناجيل لم يكن همّهم أن يبرهنوا قيامة الرب يسوع، بل هدفهم هو أن أومن بالحيّ الذي كشف نفسه لكنيسته. أن يكون يسوع قد مات على الصليب هذا حدث رآه الناس. لكن لا أستطيع أن أدرك معنى الصليب إلاّ بالقيامة. حدث الصليب قد رأته العين المجرّدة، أمّا معنى الصليب لا أستطيع إدراكه إلاّ بعين الإيمان. قيامة يسوع وأيضاً الحدث لا يمكن رؤيته إلاّ بعين الإيمان.

هناك علامات على قيامته، لكن إثبات قيامته، يبقى بالحوار معك ومعه، علاقته بك وعلاقتك به. هذا أمر أساسي للغاية. ما أريد إيصاله لكم، هو إصرار الإنجلييّن على أنه في كلّ مرة ظهر بها يسوع لتلاميذه لم يتمّ التعرّف عليه. عندما دخل العليّة والأبواب موصدة أكان في إنجيل يوحنا أو إنجيل لوقا، فقد ظنّوه خيالاً. وكذلك مع تلميذيّ عمّاوس، ظنّوا أنّه غريباً عن أورشليم. وحتّى في آخر لقاء على الجبل عندما أبصروه سجدوا له ولكن ذُُكِر في الإنجيل أن بعضهم شكّوا. في كل ظهور ليسوع كان هنالك شك. وفي كل أمر قد يكون إثبات على قيامة يسوع نجد هناك إعتراض.
قيامة يسوع هي حدث تاريخي صحيح، ولكن لا يقاس بمقايس الأحداث التاريخيّة لأن كل الأحداث التاريخيّة هي ضمن التاريخ أمّا قيامة يسوع فهي مؤسِّسة التاريخ. كل تاريخ البشريّة بانطلاقته وأساسه مرتبط بقيامة الرب يسوع. وإلاّ أصبح كلّه بدون أي معنى لأنّه بجملته سائر نحو نهاية تدعى الموت. التاريخ بدون قيامة يسوع المسيح هو تاريخ موت حتّى لو قبلنا بوجود نفس أزليّة وأن الإنسان لا يموت، يبقى تاريخ موت لأنه ما من غاية لبقائه.
قيامة يسوع أتت لتقول لك أنك حيّ ضمن عائلة الآب والإبن والروح، وأنه في البدء كانت الحياة. ومن ثمّ أتت الحياة التي سارت إلى الموت ومن ثمّ الحياة التي صارت موتاً أو تحوّلت إلى موت.
بعد هذه المقدّمة أريد التوقّف معكم عند نصّين من إنجيل يوحنا تمّت قراءة الأوّل الأحد الفائت أمّا الثاني فيكون الأحد القادم. في الأحد الفائت قرأنا الصيد العجيب أمّا الأحد القادم سيكون النص حول سؤال يسوع لبطرس: يا سمعان إبن يونى أتحبّني؟. أرغب اليوم مع يسوع الحيّ أن أتوقفّ معكم عند صورتين.
أولاً صورة الصيّاد وثانياً صورة الراعي. في إنجيل الأحد الفائت ( يوحنا 21 / 1-14) يسوع ظهر لتلاميذه على شاطىء بحر طبريّة وقد كانوا سبعة أي رقم الكمال. قال سمعان "أنا ذاهب للصيد"، وفي هذه العبارة أهمّية، أي الذي علّقنا في شبكته وقد تمزّقت، فلنبدأ نحن السبعة بإعادة إمساك الشبكة وصيد السمك، ورموا الشبكة ورفعوها فارغة. وباكرا عند الفجر كان يسوع على الشاطىء وسألهم إن كانوا يملكون شيئاً للأكل وكان جوابهم بالنفي، بقينا الليل كلّه نكّد وها إن شبكتنا فارغة بدون أن يعرفوه أنّه يسوع. فقال لهم "ارموا الشبكة عن يمين السفينة فتجدوا سمكاً". وعند لوقا، قال له بطرس "تعبنا الليل كلّه ولم نصطد شيئاً ولكن لأجل كلمتك ألقي الشبكة". ويذكر الإنجيل أنّهم لم يستطيعوا جذبها لكثرة الصيد الذي اصطادوه. التلميذ الذي كان يسوع يحبّه قال لسمعان هذا هو الربّ هذا الذي ظننّا نفسنا قد أفلتنا من شبكته، هذا الذي سألنا هل عندكم شيئاً يؤكل هو نفسه الذي أكثر الخبز والسمكتين. هو نفسه. لاحِظوا كيف أن كلمة التلميذ الحبيب أصبحت الشبكة التي علق بها بطرس. وأتى باقي التلاميذ ووجدوا على الشاطىء جمراً موضوع عليه سمكاً وخبزاً. انعكست الآية، ففي المرّة الفائتة كان التلاميذ من أعطوا يسوع خمسة أرغفة وسمكتين وأطعم هو الخمسة آلاف أما الآن هم من أعطوا السفينة وهو من اعطى كم خبزة وكم سمكة. قال لهم "هاتوا من السمك الذي اصطدتموه". "لم يجرؤ أحد على سؤاله من أنت لانّهم عرفوا أنّه الرب". لماذا ذكر يوحنا هذه الجملة بهذه الطريقة؟ لسبب بسيط وهو أنّه مهما كان الإيمان عميقاً يبقى هنالك مكاناً لسؤال ما. لم يجرؤ أحد على السؤال مما يعني أنّهم بحاجة لهذا السؤال. أليست هذه حالة جميعنا. نحن مؤمنين بقيامة الرب وليس هنالك من مشكلة ومع هذا لدينا الكثير من الأسئلة، فلا نخاف. ما دمنا نعرف أنّه الرب فلا نخاف حتّى لو كان لدينا مئة سؤال. لا تخف إن كنت تملك الأسئلة فهذا لا يعني أنّك غير مؤمن، إنّما العكس، فلأنّني مؤمن لا أريد أن أكون جاهلاً إنّما أريد مواجهة الأسئلة والتأكّد من وصولي لهدفي. الإيمان يمكّن يسوع من الدخول في الأبواب المغلقة.
بعد الأكل، نظر يسوع إلى بطرس وقال له: "يا سمعان ابن يونى أتحبّني؟" لم يناده ببطرس إنّما أعاده إلى إسمه الحقيقي. أنا دعيتك الصخرة أما الآن فأسألك باسمك، أتريد أن تكون الصخرة؟ هل تريد أن تكون ما دعوتك إليه؟... وكل ذلك في سؤاله أتحبّني؟
فأجاب بطرس: "أنت تعرف يا رب أني أحبّك". فلنتنبّه عن أي نوع محبّة نحن نتكلّم. في النص اليوناني يوجد كلمتين واحدة يستعملها يسوع وأخرى يستعملها بطرس، يسوع يسأل (بحسب الترجمة اليسوعيّة) "أتحبّني" فيجيب بطرس "يا رب أنت تعرف أنّي أحبّك حباّ شديداً"، وللمرّة الثانية يسأل يسوع نفس السؤال ويكون جواب بطرس هو نفسه أيضاً أما في المرة الأخيرة يسأله يسوع أتحبّني حباً شديداً ويكون الجواب يا رب أنت تعرف كل شيء وتعرف أنّي أحبّك حباّ شديداً. كان جواب بطرس على السؤال هو نفسه مرّتين أي حباً شديداً وعندما سأله يسوع للمرّة الثالثة أتحبّني حباً شديداً أي مثلما أجبت سابقاً، وحزن عندها بطرس. كم كان حماسه شديداً، ففي ليلة العشاء السري قال له أنّه إذا تركه الجميع هو لن يتركه وأجابه يسوع قبل صياح الديك تكون قد أنكرتني ثلاث مرّات. الغريب هنا أنّ يسوع آمن بكلام هذا الإنسان الذي سبق وخانه وقال له "إرعَ خرافي". بطرس رجل حماسيّ ويسوع يعرف هذا ويبدو هنا أنه قد تناساه، تناسى خيانته له وصدّقه حينما قال له "أحبّك حباّ شديداً" وآمن به بالذات.
أنؤمن بيسوع الحيّ بقدر ما يسوع الحيّ يؤمن بنا؟ هذا سؤال أوّل أطرحه. أمّا السؤال الثاني هل نعيش على مستوى المسؤوليّة التي حمّلنا إيّاها إيمان يسوع بنا؟ هذه أسئلة بالغة الخطورة. يسوع المسيح يؤمن بكَ وبكِ أتؤمن به كما يؤمن بك أو بقدر ما يؤمن بك؟ أتؤمنين به بقدر ما يؤمن بكِ؟
ثانياً: يسوع المسيح يؤمن بكَ وبكِ، أتعيش أو تعيشين المسؤولية التي يحملك إياها هذا الإيمان؟ إيمان يسوع بك كيفما كنت ومهما كنت؟
هو يؤمن بصورة الله فيك التي خلقت على مثالها وجدّدها هو بموته وقيامته. قبل موته وقيامته قال لبطرس أنّه سوف ينكره ثلاث مرّات أمّا بعد الموت والقيامة لم يقل له أنّه سوف ينكره إنّما أعطاه قوّة قيامته ومن هنا ثقته به، ليس لشخص بطرس إنّما لقوّة القيامة التي أعطاه إياها ونعمة الحياة الموجودة بهذه القوّة.
فلنتابع بانتباه هذه الآية "الحق الحق أقول لك"، قال يسوع، "حين كنت شاباً كنت تشد حقويك وتذهب إلى حيث تريد، وحين تشيخ تبسط يديك وآخر يشدّ لك حقويك ويذهب بك إلى حيث لا تريد، قال هذا ليبين بأية ميتة كان بطرس مزمعاً أن يمجّد الله ثم قال له اتبعني". نقول أنّنا نحب يسوع حباً جنونيّاً لأنّه رائع ويسحر عقولنا، يسحر عقولنا في عليّة عنّايا أو في لقائنا هذا، في محاضرة أو رياضة روحية، وبالتالي رائع إذا اجتمعنا مع كل من يعتبره رائع. ولكن، عندما أعيش في الواقع وتتجاذبني الأفكار والتجارب إلى حيث لا أريد، عندها روعة يسوع تتغيّر، ويتغيّر اندهاشي بروعته التي اختبرتها في أماكن الصلاة فقط. ما مدى مقدار سماعي لصوت يسوع يقول لي اتبعني عندما تتجاذبني كل هذه التجارب؟ ما من مشكلة إذا أخَذَنا الروح القدس إلى حيث لا نريد، وليس الروح القدس فقط يذهب بنا إلى حيث لا نريد، إنّما الشرير أيضاً وهنا المشكلة. إلى أي مدى أقرّر إتّباع يسوع عندما أصادف أمامي موت على جميع الصعد المعنويّة والإقتصادية؟. أمر بالغ الخطورة أن أعتقد أن يسوع يخلّصني من التاريخ، فيسوع يخلّصني بالتاريخ، بالواقع، بالمآسي وليس من المآسي، بالألم وليس من الألم، بالموت وليس من الموت، يخلّصني بالقيامة، يخلّصني بكل هذه الأمور وبالتاريخ بواسطة القيامة. المشكلة الكبرى هي انتظار يسوع لكي يخلصنا من التاريخ، إنّما يسوع أتى لكي يخلّص تاريخك. لذلك سبق وقلت لكم ان حدث القيامة لا يخضع للتاريخ، بينما حدث الصلب يخضع له لأنه يوجد شواهد وثوابت للصلب، إنّما ما من شواهد للقيامة، إلاّ الثقة بيسوع الحيّ الذي ألتقي به. لهذا السبب هو بأوّل التاريخ وأساس التاريخ. الألم والفشل والجوع أمور سلبية ولا يذكرها الخلاص على أنّها أمور إيجابية، إنّما بها كلّها يتمّ الخلاص، بكل تلك الأمور التي هي مسيرة نحو الموت، تتمّ القيامة. القيامة تمّت بقبر وليس بقصر، تمّت بمثوى الأموات وليس بملكوت الله. علينا التخلص من المسيحيّة التي تبغي الخلاص بالتاريخ، فهي مسيحيّة تتنكّر للبداية والنهاية، أي للتجسّد الذي وضع الله في قلب التاريخ، وللقيامة لأنّها حدثت في التاريخ. فليسمح لنا إذاً "كارل ماركس" الذي قال أن الدين هو افيون الشعوب وليسمح لنا أيضاً كلّ المسيحيّون الذين يريدون من الله أن يزيل كلّ الألم والتعب والموت والحروب والحقد. المسيح أتى لكي يقول لهم أنّه حتّى في كلّ تلك الأمور الخلاص لا زال مستمرّاً. يسوع منتصر حتّى ولو بقي أناس يَظلِمون وأناس يُظلَمون. إذا لم يكن هذا هو إيمانك فلا نفع لك بمسيحيّتك. وإذا كان اعتقادك أن على يسوع أن ينشلك من التاريخ فبهذا يكون ينكر ذاته، أي تجسّده وصليبه وقيامته، ويتحوّل صليبه إلى أكبر كذبة في التاريخ. يسوع الحيّ القائم من الموت لا ينكر كلمته القائلة "من أراد أن يتبعني فليكفر بنفسه وليحمل صليبه كل يوم وليتبعني"، والدليل أنّه بعد قيامته يقول لبطرس: "آخر يشدّ لكَ حقويك ويذهب بك إلى حيث لا تريد" تماماً كما فعلوا معه بصليبه. وهذا ما سيحصل لكل مؤمن، ولكن يسوع الحيّ بالروح القدس سيعطيك الحياة، فلا تخف وهو القائل "أنا غلبت العالم". "سيكون في العالم ضيق"، لن أنشلكم من هذا الضيق، "ولكن تشجّعوا أنا غلبت العالم". لذلك فإنّ التحيّة التي نحيّي بها بعضنا "المسيح قام حقّاً قام"، ليست مجرّد كلمة إنّما هي حقيقة داخل ظروفك وليست خارجها. أتجرؤون بعد الآن على قول المسيح قام حقاّ قام؟ أتؤمن بأنّك مخلّص وأنّك حيّ رغم الموت والإهانات والبكاء الذي تتعرّض له كلّ يوم؟ لذلك أتمنّى عليكم أن تكونوا مختصرين في عبارتكم "للمسيح قام حقاّ قام"، بدون زيادة "ونحن شهود على ذلك"، وأقول لكم لماذا: بقولكم "ونحن شهود على ذلك" تكونون قد اكتفيتم بمظهر واحد من مظاهر القيامة وهو مظهر الشهادة، للقيامة مظاهر أخرى، منها الحياة والخلاص. بقولي المسيح "قام حقاً قام"، أصرّح بأني لا أخشى الموت ولا أخشى الإنسحاق ولا أخشى قوّة. "المسيح قام حقاّ قام"، في هذه الجملة فقط تكمن القوّة. أنظر حواليك إلى الكون والتاريخ وإلى نفسك، ربّما لن ترى نفسك قائماً من القبر ولكن ستؤمن أنّك قائم من القبر. آمين.
|