كانون الأول 2003

صلاة الكفرة ووطن النجوم

                     الياس بجاني
                   مسؤول لجنة الإعلام في المنسقية العامة للمؤسسات اللبنانية الكندية


صلاة الدجل والتبخير والتبجيل مهما كثرت أو رُددت هي طقوس رخيصة من أجل مآرب ذاتية. حتى أن الصلاة الحقة تبقى ناقصة إن لم تقترن بالأفعال الحسنة التي أوصت بها الكتب والشرائع وأريق من أجلها دم الآلاف من الرسول والقديسين والشهداء الأبرار. إن صلاة التبخير والتملق هي صلاة الجهلة والمتلونين والوصوليين، إنها كلمات تُردّد إما عن خوف أو جهل دون معنى أو عن خبث من أجل التمويه والتخفي. هذه فروض كلامية مفرغة من معانيها يلجأ إليها من طلب لنفسه منفعة شخصية على حساب الكرامة والقيم، ومن أراد الغش والتخفي والهروب من الشهادة للحق قولاً وفعلاً. إنها التزام صوري وتطبيق حرفي لأنماط حربائية بالغالب دون فهم معناها، ودون معرفة مغزاها أو وعي عواقبها على الآخرين.
الصلاة الحقيقية غير ذلك، فهي تواصل كامل مع الله ومع مخلوقاته واحتياجاتهم ومعاناتهم وافراحهم وتخاطب وتكالم وتعاتب وتلاقي وشهادة للحق دون انقطاع، شهادة قد تصل إلى حد تقديم الذات قرباناً دون تردد أو خوف..
الصلاة الحقة شهادة حب وعطاء مقرونة بأعمال ترضي الرب وتجل كرامة الإنسان الذي خلقه على صورته وقَبِل أن يُصلب ابنه الوحيد من أجل خلاصه وتحريره من عبودية الخطيئة الأصلية. إنها التزام كلي بما أوصى به الخالق في كتبه لجهة الخير والمصلحة الإنسانية.
أما المتخفي بثياب الحملان الذي يستغل الصلاة للوصول لإغراض ذاتية غير رضى الخالق وخدمة أخيه الإنسان فهو ذئب كاسر من الواجب فضحه وكشف ألاعيبه لمنعه من إيهام الآخرين بتقواه وقداسته وحسن نواياه. هذا النوع من البشر حربائي ووصولي في تصرفاته، راسبوتيني الهوى، يوادصي التفكير، وإبليسي الممارسة حتى وإن أمضى ليله ونهاره راكعاً خاشعاً مكرراً فرائض الصلاة المفرغة من قداستها.
أما لماذا الكلام عن الصلاة في هذا الزمن الأغبر فلأن المقاييس الوطنية في بلدي وبين أهلي قد قلبت، ومعايير الوفاء والصدق والشهادة للحق قد عُهرت وأمست ألعوبة بيد جماعة كفرت بكل القيم ولم تترك فضيلة إلا وتاجرت بها من أجل مصالحها الآنية والذاتية.
فالخطاب السياسي الرائج في لبنان منذ العام 1990 هو خطاب صلاة الجهلة والكفرة. لقد أصبحت غالبية القيادات الزمنية والروحية كالببغاوات تماماً تردد صباحاً ومساءً عبارات المديح والثناء للقوى البعثية - القرداحية المهيمنة على كافة مفاصل البلد من حكم وأمن وسياسة ودفاع واقتصاد وقضاء وتعليم وسوق عمالة والخ. فكلما نطق مسؤول أو سياسي أو رجل دين راح يشيد بكرم وتضحيات الشقيقة وبافضالها وبحسنات ترابط المسارين والمصير، وبادر إلى رش قيادتها بآيات التمجيد والتهليل والتعظيم والتبخير وكأنهم جميعاً في معبد مقدس يؤدون فرائض صلاتهم. فهؤلاء يتسابقون على التنازل والقبول والانصياع والاجتهاد والتفسير والأهم على تزوير إرادة الناس والواقع ومعهما التاريخ.
إن حب هؤلاء للمذلة عظيم كما أن غرامهم بتقبيل الأعتاب قتَّال.
فطبقاً لشرائعهم وطقوسهم إن كل مطالب باسترداد السيادة والقرار الحر والاستقلال هو خائن وعميل. يريدون من الشعب التخلي عن جذوره وهويته وحضارته وتغيير حتى جلده. يريدون منه أن يصلي للمحتل ويسبّح بحمده، وإلا فالويل والثبور ومعهما السكاكين والسواطير والعصي. لقد أحبوا الاتكالية والخنوع والمذلة، ولم التعب والتفكير طالما هناك من يفكر ويخطط بالوكالة عنهم.
إننا براء من صلاتهم هذه، إنها صلاة الجهلة والكفرة وفاقدي الكرامة والعزة، فلنا ديننا ولهم دينهم. اللبناني الأصيل ما صلى مرة لغير خالق الأكوان جل جلاله، وما ساوم يوماً على مقدساته الوطنية، ولا تنازل تحت أي شدة عن قيمه واخلاقة، وما تعود إلا حب أرضه المقدسة المجبولة بدم وعرق أجداده .
إن من يتلون مرة يتلون باستمرار، ومن يرتضى الصلاة لغير رب الأكوان سيرتضي الصلاة حتى للشيطان إن كان في ذلك مصلحة له.
إن اللبناني الذي يعمل لغير مصلحة وطن ال 10452 كيلو متراً مربعاً، وطن القداسة والرسالة والبشير والتاريخ والهوية والقومية والحريات، هو كمن يصلي لإبليس وهذه صلاة ما تعودها أحرار وطن الأرز، فمن له أذنان صاغيتان فليسمع.