تشرين الثاني 2003

 الدولة وتماثيل المتحف!

                            وليد عبود
                               مأخوذة عن النهار

جريدة النهار
الملحق الثقافي

 

 


 في 23 تشرين الاول كان موعد اللبنانيين مع الخواء التام. وهذا الخواء غير المغري وغير الجميل تجسّد في مظهرين اثنين: مظهر السلطة ومظهر المعارضة العمالية.

ففي ذاك اليوم "العظيم" والاستثنائي في تاريخ وطننا اجتمع مجلس الوزراء في جلسة رابعة غير عادية للبحث في مسألة الموازنة. ومع ان كلّ المؤشرات كانت توحي ان الجلسة لن تمر على خير، باعتبار ان ملاحظات رئيس الجمهورية العماد اميل لحود على الموازنة ستفجّر الجلسة من أساسها، وخصوصاً بعدما بشّر الوزير كريم بقرادوني بذلك، فان شيئاً من هذا لم يحصل. هكذا كان الوئام سيد الموقف في ذاك النهار، حتى بدا للقاصي والداني ان الرئيسين لحود والحريري صاحبا مشروع اقتصادي واحد وان تبدّلت العناوين واختلفت التسميات.

ترى أين ذهبت الملاحظات التي وزعتها دوائر القصر الجمهوري على وسائل الاعلام قبل بحثها داخل مجلس الوزراء؟

وأين "صُرفت" كل المداخلات التي تنطّح للادلاء بها وزراء مقـربون من رئيس الجمهورية و" معارضون من الداخل" لنهج الرئيس الحريري في ادارة الملف الاقتصادي؟
وأين الاصوات الوزارية التي ارتفعت مهددة بالويل والثبور وبعظائم الامور في حال لم يستجب الحريري مع سنيورته لطلب زيادات الانفاق على الوزارات، والتي بلغت "على الورقة والقلم" حوالى 500 مليار ليرة من دون زيادة ولا نقصان؟

أكثر من ذلك: كيف تبخّرت شعارات العدالة الاجتماعية فجأة ولم تعد الفئات الاجتماعية الكادحة هي الغاية والهدف، بل صار كلّ التركيز على النيّات الحسنة للرئيسين لحود والحريري تجاه باريس 2 والخصخصة والتسنيد، والاهم من كل ذلك تجاه بعضهما بعضاً؟.

طبعاً بعض طيبي القلب والطوية وأصحاب النيات الحسنة فاجأهم هذا التبدل الجذري بين ليلة وضحاها. لكن العارفين بحقيقة "الاتصالات" و"الوساطات" و "الدور الاخوي المشكور" بين لبنان وسوريا قدّروا ان الوساطة السورية فعلت فعلها أخيراً وان دقّة المرحلة فرضت نفسها على دقّة العلاقة بين الرئيسين.

أما مطالب الناس... أما أوجاعهم... أما صرخاتهم فآخر همّ للحاكمين سعيداً. والذين يريدون بعد أن يصدقوا أن جزءاً من الحكم منحاز الى هموم الناس فليتذكروا أن الدين العام في نهاية عهد الرئيس الياس الهراوي كان حوالى عشرين ملياراً وهو سيكون في نهاية عهد الرئيس لحود حوالى اربعين ملياراً!
...وهل تريدون محاسبة وشفافية واصلاحاً أحلى مما تحقق؟
***
ومن خواء السلطة يوم 23 تشرين الاول الى خواء الحركة العمالية في اليوم نفسه. فعلى بعد أمتار قليلة من مجلس الوزراء كانت "بقايا" الحركة العمالية تعتصم وتتظاهر وتردّد الهتافات المندّدة بسياسة الحكومة، ولا سيما على الصعيد الاقتصادي. في المبدأ الامر مفرح. لكنّ "الحزن" تجلى في أمرين. الاول ان مجموع ما حشدته الحركة العمالية في هذا اليوم التاريخي لم يتجاوز في أفضل التقديرات الثلاثة آلاف شخص. وهو رقم متواضع جداً اذا ما قيس فقط بعدد النقابات المسجلة في وزارة العمل والبالغ عددها مبدئياً 450 نقابة. إذ لو جمعت كل نقابة عشرة اشخاص على الاقل، هو عدد مجلسها التنفيذي، لكانت التظاهرة قاربت الخمسة آلاف. أما الامر الثاني فهو ان القوى الامنية لم تسمح للقوى العمالية ان تصل الى مقر مجلس الوزراء لاسماع صوتها الى الوزراء المجتمعين ، وهذا دليل على ان الحكم في لبنان لا ينظر بعين الجدية الى الحركة العمالية لأنها في النتيجة " ربيبته" بالذات ولأن رموزها لم يصلوا الى مرحلة الرموزية الاً لأن الاجهزة عملت لمصلحتهم ورفعتهم الى حيث يجلسون! أكثر من ذلك ، فان التظاهرة كانت "مبرمجة" ضد سياسة الرئيس الحريري ومع الرئيس لحود. فلما تحققت المصالحة " الاخوية" صار المتظاهرون من دون قضية يناضلون من أجلها ويرفعون لها أعنف الشعارات وأقساها.
***

خاوياً كان ذاك النهار ومحبطاً. فلا أركان السلطة الذين يدّعون حماية الشعب استمروا في حمايته، ولا قادة الحركة العمالية عرفوا كيف يكوعون مع تكويعة أهل الحكم. هكذا بدا المشهد من ساحة المتحف الى مقر مجلس الوزراء في المنطقة متحفاً كبيراً للفراغ اللبناني، للخواء، للموت البطيء غير الرحيم.

وحدها تماثيل المتحف كانت تضحك. اذ اكتشفت بعد دهور أنها الوحيدة الحيّة في موتها بين "جيران" رسميين وعماليين هم أموات ولو كانوا يتحركون ويخطبون و... يكذبون!