هذا المقال ليس قصة افتراضية يحلو
للشاعر السوري فرج بيرقدار أن يرويها، هو الذي أمضى في السجن نحواً
من خمسة عشر عاماً. إنه واقعة جرت فعلاً في المكان والزمان، وليس على
القارىء سوى أن يلاحق تفاصيلها حيث سيكتشف أن اتحاد الكتاب العرب في
رئاسة علي عقله عرسان أصدر بعد تقريرين، "حكم الإعدام" في حق ديوان
"أنقاض" للشاعر بيرقدار، مانعاً صدوره في منشورات الاتحاد.
والمقال... يُقرأ من عنوانه.
*
في عام ،1992 وجهت اليّ النيابة العامة، امام محكمة أمن الدولة
العليا بدمشق، عدداً من التهم المتعلقة بالسعي الى قلب نظام الحكم
بالعنف، ومعاداة أهداف الثورة في الوحدة والحرية والاشتراكية، وبث
شائعات كاذبة. وقد استطاعت محكمة أمن الدولة في ذلك الحين، ان تثبت
جميع التهم ببساطة متناهية، اذ لا شهود ولا أدلة ولا استئناف ولا
بطيخ. ربما كنت أحد المحظوظين عندما توقفت دواليب المحكمة على الرقم
خمسة عشر فقط: خمسة عشر عاماً حبساً مع الاشغال الشاقة وحرمان الحقوق
المدنية والسياسية.
بالطبع، لم يكن هذا آخر العالم ولا آخر سوريا. إنه شكل من اشكال
الصراع السياسي الذي يمكن بعض الموازين او الظروف والضرورات، ان
تغيّر منحاه ومعادلاته خلال سنوات او عقود، الا اذا بلغ الخراب تلك
المستويات الاكثر عمقاً والأبعد اصداء، أعني الثقافة في وصفها تمثل
المعقل الاخير في حضارات الأمم والشعوب.
فهل وصل الخراب عندنا الى هذا الحد؟
لا أدّعي اليقين، وليس لديّ اجابة شاملة وناجزة، رغم العديد من
المساحات المحروقة التي مررت بها، او بظلالها، منذ الافراج عني أواخر
عام 2000 حتى الآن.
واحدة من تلك المساحات رأيتها، او رأيت ظلالها في اتحاد الكتّاب
العرب، وذلك من خلال التقريرين اللذين كتبهما اثنان من لجنة القراءة
حول المخطوط الشعري الذي تقدمت به الى الاتحاد بتاريخ 15/1/2003 وقد
سجله الاتحاد تحت رقم .80
سأحاول في ما يأتي تثبيت بعض فقرات التقريرين بصورة حرفية، ومناقشة
ما ورد فيهما من افكار ودوافع.
بيان "عدم الموافقة".
التقرير الاول
يفتتح صاحب التقرير تقويمه كما يأتي: "قصائد نثر مكتوبة بلغة شعرية
راقية وبنية فنية محكمة وقدرة على التأثير والنفاذ". ثم يكمل "خلاصة
المخطوطة: تسير قصائد هذه المخطوطة في مسارين، الاول يمكن ان يطلق
عليه ما اصطلح على تسميته "أدب السجون" والثاني من الجائز ان يندرج
تحت عنوان "أدب البوح". ولا بد قبل عرض موجز او خلاصة عن مداخيل هذه
المخطوطة ومحتوياتها من الاشارة الى ان شاعرها قد ذيّل نصوص هذه
القصائد بكلمة "صيدنايا" تحديداً لمعطيات المكان الذي كتبت فيه
وتنبيهاً للقارئ واستثارة له وشحناً لعواطفه الى الدلالة الموحية
لمفهوم هذه الكلمة، وما تحمله من مومئات صريحة بمخلفات جغرافية خاصة
بها ومشهورة فيها".
يحاول كاتب التقرير هنا أن ينبه من لا ينتبه الى ان لفظة "صيدنايا"
التي ذيّلت بها نصوصي، انما تعني سجن صيدنايا وليس صيدنايا البلدة،
فهل يجد يا ترى من يهنئه او يكافئه على ذكائه وحرصه الامني؟ وهل كان
يريدني ان أكذب وأذيّل القصائد بأماكن اخرى لم تكتب فيها؟ أم يريدني
ان أترك مكان الكتابة غفلاً لكي لا يتاح للاعداء مجال للشماتة بأولي
أمرنا او التدخل في شؤوننا الداخلية وخصوصيتنا وأصالتنا الضالعة في
الصمت والقمع والسجون وانتهاكات الروح والجسد... الخ؟
لقد صادرت السلطة من عمري نحو اربعة عشر عاماً، فهل يريد كاتب
التقرير ان يصادر حتى المكان الذي وضعتني السلطة فيه؟ ألا تبدو
السلطة اقل بخلاً من هذا المثقف؟
حسناً. دعوني أتابع ما ورد في التقرير، حيث يتحدث كاتبه قائلاً إن
قصائد المخطوط تسير في مسارين. يقول: "المسار الاول: يسرد هذه المسار
عبر قصائده، بكثير من الشجن والحزن والألم والمرارة، معانيات شاعر
المخطوطة وهو داخل السجن، يقاسي في زنزانته اهوال الصمت والخوف
واهوال العذاب والغربة واهوال الشوق والحرية والخروج من المعتقل،
ويفصح هذا المسار عن نزعة الهجوم الشعري والفكري والايديولوجي الكاسح
لشاعر المخطوطة على السلطة الحاكمة في القطر او على القيادة السياسية
فيه، موجهاً اليها اداناته واحتجاجاته".
يا إلهي! كم يبدو لي كاتب التقرير ممزقاً بين تعاطفه مع المعاناة عبر
إسهابه في ذكر أهوالها، واصراره على ابراز مدى الولاء للسلطة
الحاكمة!
يورد الكاتب في سياق تقريره كمّاً وافراً من الاستشهادات بإبراز
المعاناة من جهة ولإثبات الهجوم الكاسح على السلطة من جهة ثانية.
انتقل الآن الى بند الرأي الفني كما ورد في التقرير، حيث يقول: "يلجأ
الشاعر فرج بيرقدار، وهو معروف بكتابته لقصيدة التفعيلة في اكثر
انتاجه، الى اسلوب قصيدة النثر، وينتج نصوصها بإتقان وفنية وقدرة على
الايصال والتواصل مع المتلقي، ويعمد فيها الى لغة الخطف والتكثيف
والايجاز والنجوى والاستبطان والاستعارة، والى الصور الصادمة المدهشة
المعبرة عن وقائع الروح والجسد في صبرها وسأمها وتماسكها وضعفها
وعقلها وجنونها، والى العبارات المشحونة بطاقات ايقاعية داخلية
متوترة او منسابة طبقاً للموقف والحالة، والى سهولة في استخدام
الانماط التعبيرية، مع وضوح وإشراق في معانيها ومبانيها وايحاءاتها
المرمزة القريبة الدلالة في تداخل معطيات حواسها، والى استعمال
الالفاظ اللونية وسيلة لتصوير الانفعالات والمشاعر او المشاهد
والحوادث. وفي اختصار، كل قصيدة تحاول ان تكوّن لنفسها شخصيتها
الذاتية الخاصة في مناخات هذا "الشكل" الشعري الخارج على طاعة
السلفية القديمة والسلفية الحديثة، او الباحث عن مكان يجلس فيه على
مقعد الشعر المعترف به، والباحث عن أحقية انتسابه الى السلالة
الشعرية".
اعتقد أني لم أقرأ في حياتي إطراء او مديحاً لكتابتي على هذا النحو.
اما في المستوى اللغوي، فيختصر الكاتب رأيه بقوله: "جيد جداً"، وتحت
بند آراء اخرى يقول: "أنبّه الى مخالفة هذه القصائد لأهداف الاتحاد
سياسياً ودينياً. وفي بند الرأي في النشر يقول: "اقترح عدم الموافقة
على نشر هذا المخطوط بسبب المضمون المخالف لاهداف الاتحاد".
اعتقد ان من الجلي تماماً غياب أي اعتراض فني او لغوي على المخطوط.
إنه اعتراض محض سياسي لا شائبة فيه، وفي ذلك ما يكفي من الدلالة على
أن لا شفاعة للرأي الآخر في أهداف الاتحاد، مهما بلغ المستوى
الابداعي لذلك الرأي. بعد هذا، ألا يحق لي أن أتساءل حول ما تعنيه
ظلال هذا التقرير، وحول ما يعنيه الاتحاد، وما هي حدود علاقته
بالسلطة من جهة وبالإبداع من جهة ثانية، وهما فعاليتان تسيران دائماً
في اتجاهين نقيضين، وقلّ أن قدّم لنا التاريخ استثناءاته في ذلك.
التقرير
الثاني
انتقل الآن الى تقرير القارئ الثاني الذي جاء مكثفاً الى حد بدا معه
كما لو انه كُتب خلسة.
يقول هذا الكاتب تحت بند خلاصة المخطوط: "قصائد تتحدث عن تجربة
الشاعر الخاصة، الحياة، الحب، المعاناة، وتبدو معاناته حادة في معظم
القصائد ومن وجهة نظر شخصية، وهو لم يكتف بالتلميح الى اسباب هذه
المعاناة، بل صرّح بذلك في اكثر من موقع". ويذيّل صاحب التقرير سطوره
السابقة بلفظتين هما: "غير موافقة".
لا ادري إن كانت اضافة تاء التأنيث سهواً أم مقصودة، كما لا ادري
لماذا التسرع في إعلان عدم الموافقة الذي ينبغي له ان يكون في بند
الرأي في النشر. ولكن يمكنني ان أتفهم جيداً كم من الجهد، او كم من
الجهل، احتاج الكاتب ليقول إن القصائد تتحدث عن تجربة خاصة ومن وجهة
نظر شخصية. اين هي الخصوصية او البعد الشخصي في الموضوع، اذا كانت
تجربتي لمدة اربعة عشر عاماً في السجن، هي التجربة نفسها التي عاشها
الوف السجناء بظروفها الحجرية نفسها؟
ثم، الا تشكل تجربة السجن السياسي في سوريا، كما في معظم انظمة
الاستبداد، ظاهرة طاغية وفاضحة داخلياً وعربياً وعالمياً؟
بالطبع، ليس من شأني هنا ان أشرح لكاتب التقرير طبيعة العلاقة بين
العام والخاص، وآليات التحول والتداخل وتبادل المواقع في ما بينهما.
فلنتابع التقرير، حيث يقول في بند الرأي الفكري: "في معظم النصوص ثمة
اساءة الى الفكر القومي والانتماء الى الوطن"، ثم يذيّل كلامه
بلفظتين ايضاً: "غير موافق". أما في الرأي الفني فيقول: "الشاعر
متمكن من ادواته الفنية، ومن المؤسف ان تكون معظم قصائده تصور معاناة
خاصة لها اسبابها وبالتالي تسيء الى الروح القومية".
لم يقل لنا كاتب التقرير كيف تتمكن معاناة فردية خاصة ان تسيء الى
روح قومية مشلشلة بالامجاد والنياشين؟! الا اذا كانت تلك الروح التي
يعنيها هي روح الجلاد في وصفه الطرف المقابل في معادلة المعاناة
المقصودة. والواقع ان ما من ديكتاتور عربي الا قدّم نفسه (عبر مثقفيه
وأجهزة إعلامه ومخابراته) على أنه الممثل الاول، او الاكثر أصالة،
للروح القومية، وتالياً فإن اي اعتراض عليه او خلاف معه او كشف
لحقيقة ممارساته من شأنه ان يسيء الى تلك الروح!
أعود الى كاتب او "كاتبة" التقرير، حيث أثبت في بند المستوى اللغوي
كلمتين لا غير، هما "اللغة متميزة". اما في بند التزام المخطوط اهداف
الاتحاد فيكتب: "المخطوط غير ملتزم أهداف الاتحاد".
كما ترون، فإن التقرير الثاني ايضاً، لم يسجل اي ملاحظة فنية او
لغوية او ابداعية، وبالتالي فإن الاعتراض منصبّ على مضمون التجربة او
المعاناة المطروحة، والتي من شأن التصريح بها ان يفضح ما يفضح، وقد
عبّر كاتب التقرير عن ذلك عندما قال: "وهو لم يكتف بالتلميح الى
اسباب المعاناة بل صرّح بذلك"!!
إن كاتب هذا التقرير يحمّلني مسؤولية جريمتين دفعة واحدة، لكن
الجريمة الثانية، اي "التصريح"، اكبر من جريمة "التلميح". انني
اتساءل: هل كان يمكن ان يمر الامر بسلام او بإدانة اقل فيما لو
اكتفيت بالتلميح فقط؟
من الواضح لي ان كاتب التقرير الثاني لا يقبل بأقل من الصمت التام
حيال كل ما يتعلق بالسجون والتعذيب وانتهاكات حقوق الانسان وغير ذلك
من هذه اللعنات التي يعتقد الكاتب ان السلطات لا تزال تحظر الحديث
عنها.
لعل من المفارقات ان موقف وزارة الاعلام والاجهزة الامنية، كان اقل
تشدداً وربما اكثر مرونة تجاه الرأي الآخر، مما كانه التقريران
المعنيان، وليس هذا غريباً بالنسبة اليّ. فمثقف السلطة في الانظمة
الشمولية تابع سلبي كسول متكلس، وتالياً فإن مبادراته او تحولاته، في
أحسن الاحوال، تأتي كصدى متأخر للسلطة التي سلبته في الاصل امكان
المبادأة او الابداع او الاستقلال او حتى المشاركة الفاعلة.
ربما قلت في مقابلاتي عبر كثير من الصحف والمجلات مثل "نزوى"،
"الحياة"، "أخبار الادب"،"الزمان"... الخ" اكثر بكثير مما قلته في
مخطوطتي الشعرية المقدمة الى الاتحاد، ومع ذلك لم تُمنع تلك الصحف
والمجلات من دخول سوريا، ولم تسألني اي جهة سلطوية عما قلته في تلك
المقابلات. فهل أجهزة السلطة أكثر تسامحاً من بعض مثقفيها، ام أكثر
ذكاء، ام ان تلك الاجهزة قد أفسدت في الماضي كل شيء، وتحاول الآن
اصلاح نفسها، غير متنبهة الى اصلاح ما أفسدته حقولها الاخرى من
ارادات ونيات وضمائر، او غير قادرة على ذلك؟
لا ادري لماذا شعرت وأنا أقرأ تقريري الكاتبين، بأني امام اتهامات
شديدة الشبه بتلك التي واجهتها في محكمة أمن الدولة العليا، مع بعض
الفوارق في الحالتين. فاتهامات المحكمة كانت في عام ،1992 بينما جاءت
اتهامات الكاتبين بعد أكثر من عشر سنين، مرت خلالها مياه ودماء كثيرة
في ذلك النفق السوري المعتم. ولكن يبقى الفارق الابرز والأهم ان
محكمة أمن الدولة مؤسسة سلطوية امنية استثنائية بامتياز، في حين ان
اتهامات التقريرين جاءت من طريق شخصين، يفترض أنهما مبدعان وحائزان
عضوية اتحاد الكتاب .
كنت اعتقد ان شعب المخابرات (العسكرية، السياسية، الجوية، أمن
الدولة) تكفي شعبنا وتزيد، ولكن يبدو ان اتحاد الكتّاب العرب انتبه
الى ضرورة وجود شعبة مخابرات ثقافية. ولأن السلطة لم تحدث شعبة من
هذا النوع، فقد أخذ الاتحاد على عاتقه القيام بهذا الدور، بل جعل منه
واحداً من أهم أهدافه عملياً. وهو اذ يفعل ذلك، انما يفعله تطوعاً،
او بالوكالة لا بالاصالة.
ترى هل يكون المبدع مبدعاً اذا كان ولاؤه للسلطة اكبر من ولائه
للابداع؟
للحقيقة، أعطانا التاريخ عدداً ولو محدوداً من مبدعين عباقرة،
استطاعوا ان يقدّموا لنا إبداعاً حقيقياً، رغم أن ولاءهم الاول كان
للسلطة. وإني آمل ان يتمكن كاتبا التقريرين وأمثالهما من الدخول عبر
البوابة نفسها التي دخل منها اولئك العباقرة.
|