|
شكلت مبادرة البطريرك الماروني نصرالله صفير، لتمليك الاهالي المنازل التي عاشوا فيها ردحاً من الزمن، والاراضي التي سقوها لسنين من عرق جبينهم، خطوة لافتة في تاريخ الكنيسة المارونية، إذ لاقت صدى يوصف باكثر من ايجابي من ابناء القرى التي كان يسري عليها نظام الشراكة بين الاهالي والكنيسة. وهي: الديمان، بلوزا، وادي قنوبين، سرعل، مزرعة النهر واراضيها مملوكة من البطريركية المارونية، وقرى الفراديس، عربة قزحيا، حوقا المملوكة اراضيها من الرهبانية المارونية اللبنانية.
وقد تمت ترجمة هذه الخطوة بتأهيل وترميم المنازل التي كادت ان تنهار بفعل اهمال القاطنين فيها كونها في الاساس ليست ملكاً لهم. عرفت الكنيسة المارونية في تاريخها القديم ما سمي بنظام الشراكة، حين كان الموارنة يعيشون حول الاديرة او الكرسي البطريركي ويعملون في الاراضي التي تملكها، على ان يتم تقاسم الانتاج وفق نسب تتبدل بتبدل الظروف والاوضاع. الا ان هذا النظام، وبرغم الطابع الرعوي له، كان محور خلافات في حقبات معينة بين المزارعين واصحاب الاراضي من الرهبان او الابرشيات او البطريركية، ولّدت لدى المزارع الشعور بالغبن كونه لا يستطيع امتلاك الارض التي حوّلها من صخور الى تربة صالحة للزراعة.
واطلق البطريرك صفير مبادرته في التمليك فور تسلمه مهماته البطريركية سنة 1986، مترجما ما تنص عليه تعاليم الكنيسة من تشجيع لحقوق الملكية الفردية. يشير الوكيل البطريركي في الديمان المونسنيور فؤاد بربور الذي يتولى تنفيذ هذا الملف ومتابعته الى <<تملك عشرات الاشخاص في الديمان وبلوزا، وتزايد الطلبات المقدمة من اخرين في هذا الخصوص>>, ويلفت الى انه <<برغم الصعوبات الفنية والقانونية لجهة عمليات الفرز، نظراً لاتساع مساحات العقارات وكثرة المخالفات عليها، الا ان المبادرة تتقدم ويتزايد عدد الاهالي المتملكين بصورة كبيرة. وهي تلقى الدعم والفهم من الادارات المعنية والمرجعيات الحكومية لما لها من ظروف وخصوصية>>. ويؤكد ان <<البطريركية لاتقوم بعملية بيع اراضٍ بالمعنى التجاري، بل تمليك الاهالي المستثمرين لها، وتالياً، فان مشاريع الفرز لاتطال الا العقارات التي يطلب اصحاب العلاقة تملكها>>.
ويختصر الزميل جورج عرب، المطلع على بنود المبادرة، نصها بالتالي: <<لا تمليك الا لابناء القرى والبلدات المعنية، وتعطى تلك الفرصة للمقيمين والمغتربين من ابناء هذه القرى. ويتم تمليك المنزل القائم مع الف متر حوله بمبلغ مقطوع قدره اربعة الاف دولار اميركي. بينما تملّك الاراضي الاخرى لمستثمريها باسعار عادلة، على ان يحفظ للكرسي البطريركي حق الافضلية في شراء الاراضي من الاهالي الذين تملكوها، وعلى ان ينتهي نظام الشراكة التقليدي لدى اي مواطن فور اقرار عقود تملكه قانونا>>. يتوقف رجل الاعمال جو راميا عند الإيجابيات الاجتماعية والتراثية للمبادرة: <<سمحت بتحويل منازل الديمان شبه المنهارة منازل عصرية تتماشى مع الهندسة التراثية المعتمدة اصلاً في الديمان>>.
فالمبادرة أتاحت الفرصة لحركة عمرانية في القرى المذكورة، إذ تحولت المنازل التي وصفها البطريرك صفير في كلمة له في الديمان بانها تظهر البلدة كانها <<طالعة من القرن الخامس عشر>> الى ابنية عصرية فخمة تراعي خصوصية الموقع التراثية، بحيث تم تشييدها باحجار صخرية يعلوها القرميد وتحيط بها البساتين. كذلك اتاحت المبادرة فرصة العودة لكثير من المغتربين الذين اهتموا بتملك المنازل حيث ولدوا وترعرعوا، في وقت لم يكن هناك من قانون يسمح لاجدادهم بتملكها.
<<اليوم تحققت احلام المزارعين الذين اعتمدوا مبدأ الشراكة مع البطريركية لحقبات عديدة بحيث تمكنوا من تملك ما سقوه لسنوات من عرق الجبين وتوريثه للاولاد>>، يقول المزارع يوسف الحصيراتي من بلوزا. ويعتبر ان خطوة التمليك <<تفي المزارع حقه. فهو الذي حول الوعر ارضاً خصبة>>. ورأى <<ان البطريركية برهنت بهذه الخطوة تحسسها مع المزارعين والفقراء>>. <<وقد سمحت لكثير من المغتربين بالتفكير في العودة الى الوطن كون بعض اهل الديمان كان يتردد في ذلك حيث انهم لايملكون ارضاً او منازل. اما اليوم فقد اصبحوا من الملاكين ولديهم دافع للعودة وهو ترميم المنزل الوالدي>>، يقول رئيس الرابطة المارونية في اوستراليا جو متلج، احد المستفدين من المبادرة.
|