تشرين الاول 2003

"الروح القدس" (الحلقة الثالثة)

الأب داود كوكباني
عن موقع "عيلة مار شربل"

صور مار شربل

"نؤمن بإله واحد".

         باسم الآب والإبن والروح القدس الإله الواحد، آمين.

 

          أحب اليوم أن نتكلّم عن هذا الإله الواحد الذي نؤمن به. مَن هوَ؟

          سؤال مطروح منذ البداية. نتذكّر قصّة موسى} :"وإذا سألوني ما اسمك، ماذا أقول لهم؟{"... مَن هوَ هذا الإله؟

          نبدأ ونقول إنّ الإيمان بالله في البدايات لم يكن يرتكز على براهين عقليّة. بل كان مرتكزاً على رغبة بالخلاص، حتى عندما كان تصوّر الإنسان لله نابع من خوفه وضعفه وحدوده وعجزه. فقد كان يعبد هذه القوّة التي كان يعتبرها إلهيّة، حتى يخلص على الأقل من غضبها. كان يسجد للرعد، للشمس، حتى إذا غابت تعود وتطلّ وتُضيء لهُ.

          فلنعد إلى الوراء ونتخيّل أنفسنا وكأنّنا أول إنسان أتى على هذه الدنيا. وإنسان كبير، ولنعتبر مثلاً أن الربّ خلقنا بالليل. وإذا بالصباح يطلّ، وتُشرقُ الشمس. روعة. فلنضع نفسنا مكان هذا الإنسان، مرّ النهار مع الشمس وهيَ تعطي النور لكل شيء ولكلّ وجود، وفجأة وبدون أن يعلم لماذا، رحلت وغابت وأظلمت وعاد الليل. فسأل الإنسان نفسه، لماذا؟ أولاً ماذا فعلت حتى أتت؟ ثم ماذا فعلت حتى رحلت؟ عاش مأساة رهيبة. لماذا غابت؟ ومن الممكن أنّه بدأ يسأل نفسه: هل أنّي أخطأت؟ ومن الممكن أنّه وقف يصرخ للشمس. عودي! ماذا أفعل سامحيني. وأتصوره في اليوم التالي رأى الشمس تعود، فظنَّ أنّها تسمعه وتستجيب. انتبَهَ أن الشمس عادت وصار بنيّته أن لا يُخطئ... ولكن قليلاً قليلاً اكتشف أن هذه الشمس هيَ هكذا، تُشرق وتغيب، لكنّها سمحت له ليكتشف في ذاته اختبارات التوسّل، التضرّع، الشكر، الخطأ، المسؤوليّة، الشعور بالذنب... كلّ هذه إختبارات كاملة في ذاته، يحاول أن يعيشها انطلاقاً من أشياء طبيعيّة ولكنّه يعطيها وصف إلهيّ.

         

          هذا اختبار صحيح، سليم، مرّ فيه البشر ولكن طبعاً بغير تصوّر.

          لكن القصة أن الملحدين استفادوا من هذه الحقيقة الاختباريّة التي عاشها الإنسان ليقولوا أنّه في النهاية الإنسان أوجد الله لأنّه يريحه، لكنّ  الله بحدّ ذاته ليس موجوداً. والبرهان كلّ هذه الاختبارات. بالظاهر المنطق سليم. ولكن بالواقع لنذهب إلى ابعد من هذا قليلاً.

          فلنطرح نحن الموضوع من زاوية ثانية، الزاوية العقليّة. لنسأل أنفسنا. هل يا ترى حقيقة هو شعور الإنسان بوجود الألوهة؟ هل هوَ مجرّد وهم، أم هناك شيءٌ آخر؟  فلنفكّر قليلاً:

          إذا حاولنا أن ندخل بعمق الموقف الإنسانيّ، نتذكّر المرّة الماضية، إذا حاولنا أن ندخل بعمق الكيان الإنسانيّ ماذا نلاحظ؟: إن الإنسان، يعمل، يتساءل، يحتار، يتردّد، يختار ويعود عن رأيه، يتصرّف وكأنّه يشعر بأن هنالك شيء أبعد منهُ، وهوَ يُعطي معنى لهذا الوجود، وقلنا أنّه من الممكن أن يكون كلّ ما يختبره وما يعيشه وهم. إلاّ بحالة واحدة، وما زلت ضمن المنطق، إذا هذا المُطلق الذي أتكلّم عنه كشفَ لي عن ذاته.

          بتعبير آخر، كل ميولي ورغباتي، كلّها تشدّني نحو وجود مطلق سأصل إليه، ويهمّني أن أصل إليه، ولهذا اتردّد، ماذا يجب أن أفعل، هل هذا صح أم خطأ، فكل هذه التقلبات تقول لي أنّه في النهاية هناك شيء سأصله وأحقق ذاتي فيه. وهذا الشيء ليس فيَّ، وليس في الكون، إذاً هو أعظم منّي وأعظم من الكون ولهذا مَن أكون أنا لإدرك وجوده. فلهذا إذا لم يكشف لي عن ذاته سأبقى عند هذا التساؤل، وإذا ظهرَ لي بمطلقيته سأبقى عند هذا التساؤل أيضاً لأنّني لا أطاله.

          لهذا بإيماني المسيحي، المُطلق ظهر لي بنسبيّة الإنسان الذي اسمهُ يسوع. كلّ سرّ المطلق موجود بهذا الكائن الذي صار نسبيّ، أي موجود بالمكان والزمان، له شكل، اسمه يسوع.

          هوَ نسبيّ وبنفس الوقت حامل كلّ المطلق. كشف لي حقيقة المطلق الذي كلّ شيء فيَّ يشدّني نحوه. أتى يقول لي،  كل اختبارك كل بحثك ليس وهم، هذا المُطلق الذي تبحثُ عنه، بين يديك.

          إذاً عند هذا نفهم ما يقوله المجمع المسكوني الفاتيكاني الأول: "إن الإنسان قادر بقواه العقليّة المجرّدة أن يصل إلى وجود الله".

          انتبه! هوَ يتكلّم عن ال  capacité وليس عن ال    .effectivité

          يعني هناك امكانيّة وصول، ولكن ليس من الضروريّ أن هذه الإمكانيّة تتحقق عند كلّ إنسان وليس من الضروري أن تكون مقنعة لكل إنسان. بدون شك، لكن الكنيسة بالفاتيكاني الأول تؤكّد إنّ الوحي ضروريّ. لأنّه، صحيح إن العقل يوصل إلى مكان لكن نوعاً ما يجعلكَ تعمل انعكاساً، projection، على الله. بمعنى مختلف تخلق إلهكَ على صورتك لأنك انتَ بعقلكَ لا تقدر أن تتخطى النسبيّ إلى المطلق. القديس شربل تخطّى بتصوّفه. يعني بعلاقته مع المطلق المتجسّد في يسوع المسيح. من هنا الكنيسة تقول أن الوحي ضرورة، la révélation est une nécessité  لأنّ الله لا يقدر أن يخلق فيك توق ورغبات ويكون في نفس الوقت مانعك من أن تعرف إلى مَن تتوق. الله لا يرضى أن يخلق فيك كل هذا الشوق له ويقول لكَ احزر من أنا. هو لا يرضى. من هنا تركيز الكنيسة على اهميّة الوحي.

أطرح الآن أيضاً تساؤلات مهمّة. نعرف عادة لتثبيت وجود الله نلجأ لمبدأ أساسيّ وهو مبدأ السببيّة، نقول معقول أن يكون عندنا كون منسّق مرتّب فيه تناغم، إذاً فلا نتيجة بلا علّة، pas d'effet sans cause،  كل شيء له سبب، إلاّ المطلق الذي هوَ سبب الأسباب كلّها. جيّد لكن غريب. وهنا نطرح سؤال. هل يا ترى مبدأ السببيّة الذي هوَ سليم جدّاً بالعلاقات النسبيّة، هل هوَ سليم بالعلاقة بين المطلق والنسبيّ. ندخل بلعبة السبب والنتيجة. لهذا هناك مفكّرين لا يقبلون بهذا المنطق. يقولون أن ليس هناك اختبار مع المطلق، الذي عندك هو انّك بحاجة له. يقولون كيف نقول انّه هناك عالم وهناك سبب لوجود العالم وهو المطلق، هل يا ترى، المطلق يكون سبب، يدخل بنفس الإختبار، chaîne de pensée، لهذا يرفضون مبدأ السببيّة. من هنا نرى أن في النهاية سعي العقل  إلى معرفة الله، سعي مشكور ومحمود ونؤيّده، وليس عندنا مشكلة، إذ يطرحه الفلاسفة .لا مشكلة، فبالنهاية لنعرف الله لا بدّ من التقاء حركتين.

حركة يتسامى فيها العقل نحو المطلق.

وحركة ينحدر فيها المطلق نحو العقل.

لهذا تأكيد الكنيسة على أن يسوع عنده ارادة بشريّة وعنده ارادة إلهيّة لأنه لا بدّ من أن يلتقي المتصاعد مع المنحدر، ومن هنا لا بدّ أن يكون عنده تفكير بشريّ وتفكير إلهيّ، raisonnement humain, et raisonnement Divin. التقوا بهذا الشخص الواحد La Personne Unique du Christ    . وهذا الموضوع طرح مشكلة بالعصور الأولى، فقد اختلفوا  وكانوا يطرحون مفردات مختلفة ويقولون نفس الشيء. نعود إلى هذا الموضوع لاحقاً.

اقول أنّه بشخص يسوع المسيح الذي لم يعرف الخطيئة، تحقّق التسامي والانحدار وتمّ اللقاء. ولهذا وحده يسوع يقدر أن يكون الصلة بين الله والناس، ولهذا وحده يسوع المسيح كاهن ولا كاهن غيره، لأنّ فيه وحده تمّ اللقاء التام بين المطلق الذي هو الله والنسبيّ الذي هوَ الإنسان.

نحن الكهنة مشاركين في كهنوت يسوع المسيح، وانتم ايضاً بطريقة مختلفة.

فإذاً، هذا الإله، كيف عرفه الوحي؟  بالأول، وقد تكلمنا عنها، لم يعرفوا إله خالق، بل عرفوا إله محرّر، مخلّص، حامي، معتني، هذا ما عرفوه. الإله الذي بذراعٍ  قويّة، اخرجك من أرض مصر. امّا فكرة الخلق فقد أتت بعدها بكثير، ولو بقانون الإيمان أتت قبل فكرة الخلاص. هذا الإله الذي يتكلّم عنه الكتاب المقدّس، غريب، هو الإله الذي ينزل "رأيتُ مذلّة شعبي في مصر فنزلتُ لأفتقدهم".

لا نفهم هنا النزول بمعني، spatiale ، لكن نلاحظ انه قليلاً قليلاً بطريقة ما تتحضّر فكرة التجسّد. نرلت لأفتقدهم، وأكمَلْ زيارة من الله للإنسان هي في يسوع المسيح. إذاً الإله من الأساس الوحي كشفه، إله يأتي إلينا. وهنا اسمحوا لي أن أعود قليلاً إلى اللقاء الماضي، حيث تكلّمنا قليلاً عن الفرق بين الإيمان والدين.

          الإيمان، هو أنّكَ تؤمن بإله يأتي إليكَ.

          الدين، هي وسائل تستعملها أنتَ لتصل إلى الله.

          عندما تؤمن بالدين، تصطدم بالحائط،، لأنّكَ تؤمن بوسائلكَ التي من خلالها ستجد الله، ولكن لمّا تدين للإيمان، اي دانَ له، أي جعلهُ سيّداً عليه، ادين للإله النازل لعندي، لا اصطدم بحاجز، ادخل قلب كل الحيطان.

          عليك، لا أن تؤمن بالدين. لكن أن تدين للإيمان، لهذا الإله النازل لعندك. من هنا كلمة أنا مدين له، أي هو له الفضل على انطلاقتي.

            لهذا لو كنت أسبّق، نقول أنه ليست أعمالنا تبرّرنا لكن الله يبرّرنا بالإيمان ثم بعدها سأعمل فرق بين النظريّة البروتستانتيّة ونظريتنا الكاثوليكية. إذاً الإله الذي أؤمن به، هو إله أتى وانا لم أعد بحاجة لشريعة، لهذا مار بولس تكلم كثيرا  بهذا الموضوع.

ويسوع المسيح يقول، أَذهَب واهيئ لكَ مكان، تم آتي وآخذكَ. أنزل واطلعكَ. نقطة مهمّة.

 

ننتقل للفكرة الأخيرة.

نؤمن بإله واحد:

          نتكلّم كثيراً عن الديانات التوحيديّة، أو الديانات التي توحّد الله التي تقول إله واحد. على مهلك!

          ماذا يعني إله واحد؟

          فلنأخذ مبدأ،  Unité وال pluralité ،  ، الوحدة والتعدّد. نتكلّم أولاً على المستوى الفسلفي وننتقل للمستوى اللاهوتي.

فرق كبيرجداً  بين ال Unité ، وال  Unicité ، بين وحدة وبين أحديّة.

عندما أقول، قل هو الله أحد، هنا أكون قد اغلقت الباب، dit Dieu est Unique ، هذا يعني انتهى.

بال  Unité، ندخل بال Pluralité ،  ولكن بال Unique، وال Unicité ، لا يمكننا أن ندخل ال Pluralité، وهنا لما أسمع أخي المسلم يقول عن الله ليس كمثله شيء، يعني، Unique، ولا يتجرّأ أن يقول أن الإنسان خُلِقَ على صورة الله وإلاّ  قضيت على الأحديّة، Unicité، بذات الفعل.

          لهذا بشهاداتهم يبدأوا بال négatif، لا إله إلاّ الله.

          بينما نحنُ نقول: نؤمن بإله واحد. هنا مفتوح الباب واسع على الثالوثيّة لأنّ الله ثالوث.

          وفي نفس الوقت مفتوح الباب واسع على اشتراك الإنسان بحياة الله. لهذا قانون الإيمان يقول نؤمن بإله واحد، وفوراً يقول، آب ابن وروح قدس...

بنهاية القسم الثاني سأتكّلم بسرعة عن قضيّة الثالوث لأننا سنعود ونتناول هذا الموضوع مطوّلاً فيما بعد.

          الآن، بأي إله أؤمن؟

          الإله الذي اؤمن به أهم شيء فيه أنّه يقدر أن يتكلّم بكل صيغ المتكلّم، je et nous ، واكثر من هذا، كل مرّة واحد منهم يقول أنا ال نحن تقول معه، وكلّ مرّة النحن يقول نحن كل أنا يقول معه.

          مثلاً:    تجسّد الإبن. لا استطيع أن أقول الآب تجسّد، ولا أقول الروح القدس تجسّد. لكن بامكاني القول أن هذا الله الواحد تجسّد. الآب لم يتجسّد، ولا الروح القدس لكن الذي تجسّد ليس جزء من الله، لكن كل الله.

          في العنصرة الروح القدس حلّ على التلاميذ، لا يسوع الإبن، ولا الآب ولكن ليس جزء من الله، لكن كلّ الله.

          بالتجلّي وايضاً بالمعموديّة، صوت الآب هو الذي يقول "هذا ابني الحبيب" ولا صوت الابن ولا صوت الروح لكن صوت كلّ الله وليس جزء من الله.

          هذا هوَ السرّ الكبير.

          كلّ واحد في الكلّ، والكلّ في كلّ واحد.

          وهذا يطرح سؤال كبير. وسنتكلّم عنه فيما بعد اكثر.

          كيف كان ممكن ان الله يكون علاقة مع الإنسان لو ما كان بالأصل علاقة في ذاته.

          لا يقدر الله أن يزيد شيء على ألوهيته لأنّه إذا زاد شيئاً يعني أن ألوهيته ناقصة.

لما خلق الإنسان بنى علاقة، معناها انه خلق صفة لم تكن موجودة فيه بالاصل، وهذا غير ممكن أن يضيف الله على ذاته صفة. لهذا نلاحظ عند الإسلام، ممنوع أن نتكلّم عن علاقة بين الله والإنسان، فالله لا يبني علاقة، فهو أو يكافئكَ أو يجازيكَ، صحيح هناك كلام عن قصد الله، لكن بأي معنى. إذا عملتَ جيّداً تٌكرَّم، ولكن الله وانا نعمل سوية في حقل واحد! غير واردة.

 

          نعود ونقول الله واحد، لا شكّ. أن العقل عنده طاقة أن يدرك الله، لهذا هناك بكل الديانات بذور حقيقة. وهناك ما يسمّى الوحي الطبيعي أي انه من خلال الكون وروائع معيّنة نصل إليه. ولكن بالنهاية، السؤال الكبير.

          الله  الذي كشف ذاته بيسوع المسيح هو الوحيد الذي قال لك: "أنا معكَ"، ولكن انتبه انا معك يا إنسان،  وانا لستُ معكَ لتجاهد ضدّ إنسان آخر.

 

          أنا معكَ يا إنسان أين ما كنتَ ومَن كنتَ.

          ومهما وصل الإنسان للخطيّة والشر ممنوع أن يُعامَل كالحيوان.  هو صورة الله، وإن شوهها، ولكنّه صورة الله.

غريب، نحن إذا عندنا صورة ورقيّة نخاف ان نرميها ونحرقها.

فكيف بالإنسان الذي هو صورة الله. كيف أرميه؟

آمين.