بعضنا ليس مسطولا ليصدّق موسم الاصلاح الاداري ومحاربة الفساد وسؤال
من اين لك هذا؟
"هذا فيكن" إن كنتم ظننتم انكم مرّقتموها علينا.
يا تماسيح الوطن تعبنا، نحن رعاياكم ورعايا غيركم، من قهركم لنا
واذلالكم لابنائنا. نقسم بالله الذي تؤمنون به ظاهريا انه لم يعد في
استطاعتنا دفع الكهرباء مرتين او اكثر ولا المياه مئة مرة. على
طرقاتكم تتحطم سياراتنا المستعملة ويموت فيها الناس احيانا ولا احد
يحاسب احدا، لأن لا احد مسؤول. فالوطن يسير على بركة الله، دواليبه
مكربجة ودركسيونه في "هاك المطرح".
اذا كان حل قضية الشرق الاوسط صعبا فهل يصعب عليكم ان تعطونا ابسط
حقوقنا التي ندفع ثمنها من عرق جبيننا، لا سرقة ولا تشبيحا. فأمس
وبكل وقاحة طلبوا منا ان ندفع رسوم المياه التي لم تشرّف حنفياتنا
منذ اكثر من اربع سنوات. لقد طفح الكيل. ولنواب المتن اقول: سأكون
"عين ابن عين" إن انتخبتكم في المرة المقبلة. ولن اقول ان محاربة
الفساد "نكنكات" كما سمّاها ذاك الوزير، ولا هي انتقام المسؤولين
بعضهم من البعض، فنحن نعتبر المسؤولين من ناطور الاحراج الى ما فوق
"شغلة كلب ومقسومة".
سأقول الآتي:
انا مواطن لم يعد عندي شيء اخسره. انا قاعد في قمة اليأس، الامر الذي
يشعرني بالقوة، مؤمنا ان هذا اليأس هو طريق الثورة الوحيد. فلا
القصائد ولا مانيفستات الاحزاب تبدع ثورة. اليأس هو الطريق شرط ان
يكتمل فلا يخرّب اكتماله الضحك على الدقون. كأن يعدوننا بمحاربة
الفساد علما ان محاربة الفساد لا تتطلب شارلوك هولمز ليكتشف ان
القلعوط الذي كان حافي القدمين وصار يملك بنايات وعقارات هو الفاسد
بعدما حطوه في الوظيفة المدرّة. والقلعوط يغطيه قلعوط اكبر منه.
اوعية فاسدة يغطي بعضها البعض.
وانا يا سادتي لهذه الاسباب اعلن عصياني المدني من طرف واحد متخذا
قراري بعدم دفع رسم المياه... وهذه بداية.
الاصلاح ومحاربة الفساد وهج لا فولكلور، عرفنا مسطرة منه يوم "حكم"
الرئيس بشير الجميل واحدا وعشرين يوما فقط، خلالها كان عندي معاملة
في احدى مؤسسات الدولة التي من صفاتها الاضافية "النزاهة"، فنصحني
صديق له خبرة في "التعامل" مع تلك المؤسسة ان اذهب الى "فلان" وهناك
سأكتشف ان جارورا في طاولة يظل مفتوحا (ستاندباي) لأصحاب العلاقة.
ونصحني بأن اضع بكل شفافية في جارور الموظف عشرة آلاف ليرة تسهيلا
للمعاملة، فعملت بنصيحة الصديق ومعها عشرة آلاف ليرة خبأتها في جيب
الجاكيت الداخلية وكدت ان اخبئها في كلسوني خوفا عليها وكي لا اخدش
كرامة ذاك الموظف. عندما وصلت الى قرب مكتبه فوجئت بالجارور مقفلا
فكدّني العرق وانا اتلصص الى الطاولة، فوقها وتحتها ومن جميع الجهات.
وبعدما سلّمته المعاملة بابتسامة، بادلني بابتسامة اكبر من ابتسامتي
بعشرة سنتيمترات مع عبارة اهلا وسهلا. فتشجعت ومددت يدي فتناولت
العشرة آلاف. وكما المرة الاولى التي لمست فيها فخذ فتاة في سينما
غومون بالاس، تقدمت يدي من الطاولة وهي ترتجف فانتفض الموظف مرتجفا
اكثر من يدي صارخا بي: ماذا تفعل؟ من إيمتا انا برتشي؟ نقبر ضبّا
وضهار من هون. فخرجت مستحيا من وقاحتي. ثم استشهد الشيخ بشير فعادت
كل جوارير المسؤولين الى عادتها في لبنان الضرير اكثر شراهة، لا
تكتفي بعشرة آلاف ليرة ولا حتى بعشرة آلاف دولار التي إن تحمست
لتضعها في جارور ما، بادرك سيّد الجارور: شو عم تعمل روح دحشا ما
بتستحي... نقطة عالسطر.
يوم كان عبدالله قرصانا في حياة سابقة كانت تضطره اعماله لأن يبيت
مرات عديدة في جزيرة اللصوص التي كان يحكمها امير جاءها من الجزيرة
المجاورة بعدما فاق لصوص الجزيرة لصوصية وفظاعة. وكان عبدالله الذي
لم يكن وقتها "تري كاتوليك" يتحاشى تلبية دعوات سمو الامير الى
العشاء مفضلا سرير عاهرة نظيفة الكف والقلب بسبب ميل هائل الى
العاهرات لم يشف منه في حيواته اللاحقة.
|