أيلول 2003

 بشير الحلم، والآتي

الكولونيل شربل بركات

 مؤسسة بشير الجميل



في ذكرى استشهاده لا بد من وقفة تأمل نسائل النفس ماذا يريد منا البشير؟
اليوم وبعد واحد وعشرون عاما، هي أعوام البلوغ عند الإنسان، هل نضج الفكر في لبنان حتى البلوغ؟ وهل صار بمقدورنا أن نتفهم حالة البشير وأهميته للبنان؟

لا نريد أن نحكم على بشير من خلال الأعمال التي يحب مبغضوه ومنافسوه السياسيين أن يتاجروا بها، ولا نريد أن نرفع بشير إلى مصاف الألوهية التي يميل محبوه أن يضعوه بها، ولكننا نرغب أن نعطي بشير الإنسان حقه، وبشير القائد حقه، وبشير المناضل حقه، فلا يغفل التاريخ أن بشيرا غير المفاهيم، وبدل المعطيات، وقلب المعادلات، وثبت الهوية والوطن، وأبقى للبنان لونه وشكله وتركيبته المميزة في هذا الشرق.

يوم بدء عرفات وجماعته في 1968 مشروع تحويل لبنان إلى دولة إرهابية، تصدى بشير الشاب قبل كل الناس، ووقف مع أهل الكحالة والدكوانه، ليمنع الأمر الواقع من أن يفرض، وينبه الدولة والمسؤولين فيها من الخطر الداهم. ويومها، بدل أن يقمع عرفات وجماعته بأقل الخسائر، فرض "اتفاق القاهرة" المشؤوم، وكان قصر نظر السياسيين في الطرف المقابل، وتعصب بعضهم، ومسايرة البعض الآخر، وضغوط سوريا، هي التي أوصلتنا مجتمعة إلى ذلك.

ويوم أقفلت الأبواب، وصودر القرار، وتوزعت الأسلحة، وحقنت النفوس، وانفجر الوضع، كان بشير مع حفنة من الرجال هم السد المنيع في وجه ذلك السيل العارم من الحقد الذي كان هدفه السيطرة الكاملة على البلد "فطريق القدس، برأي أبي أياد، تمر بجونية".

ويوم أتم المحتل السوري سيطرته، وفرض على اللبنانيين حله، ونشر جيشه في كل البلد، قام البشير وانتفض، وكانت معارك وغبائر ما انقشعت إلا بخروج المحتل من المناطق الشرقية، وقد توج هذا الخروج قرار من الأمم المتحدة، ورسمت حدود الحرية نواة لبنان السيد المستقل.

ويوم أقتلع عرفات وأذنابه من بيروت الغربية، أعترف الكل لبشير ببعد النظر، وسلموه مقاليد البلاد، ليخرج الجيوش الغريبة، وينظم العلاقات مع الجيران، ويعيد ثقة المجموعات الحضارية بالدولة القادرة، وبالقانون الذي يحمي الكل، فقد كان بشير في يوم الوعد أعلن شعار 10452 كلم مربع غير منقوصة بترابها وشعبها، وهو قال بأن لبنان سيكون وطنا للجميع، ولن يكون وطنا مسيحيا، ولكنه سيؤمن للمسيحيين العيش الحر الكريم وعدم الخوف من المستقبل.

وكاد الحلم أن يصبح حقيقة، ولكنه كان "أجمل من أن يصدق"، ففي كل لبنان سارت الأخبار عن الزمن الآتي؛ زمن النظام والشفافية، زمن العدالة والأمن، وقصة ذلك المرتشي في إدارة مرفأ طرابلس الذي أعاد ظروف الرشوة في أول أيلول قائلا لزبائنه أنه لن يستطيع بعد اليوم أن يخرق القانون، هي واحدة من آلاف القصص التي ترينا أن حزم بشير سينظم البلد، وقصة ذلك الفقير الذي اختلف مع سائق التاكسي في صور وهدده بأن "أيام الظلم قد ولت ولم يعد للفوضى مجالا طويلا فها هو 23 أيلول على الأبواب وسيحكم بشير وتعرفون قيمة العدالة"، هي أيضا رمز لثقة الناس بالقانون العادل الذي كان بشير صورة له.

ولكن الحلم سقط، والغدر والحقد قاما ليسيطرا على البلد، وبقتل بشير خالوا أنهم قتلوا الوطن، وهم قد كادوا يفعلون، فأكملوا مسلسلات التهجير والفرز، وأخافوا الناس، وأعادوا الرعب والإرهاب، الذين يعرفونهم جيدا، ليكونوا أسياد الساحة، حتى يقبل اللبنانيون بحكمهم وبسيادتهم. ومثل "جبال الصوان" بعد موت "مدلج" حكموا البلد، وعينوا "النواطير"، وقتلوا وسجنوا أصحاب البشير وحاملي رايته، وهجروا البقية التي كانوا يخافونها، ليخلوا لهم الجو. ولكن روح البشير لا تزال ترف، ومثاله حي فينا، ولبنان الذي أحب، لا بد، كطائر الفينيق، من أن يقوم، ويعود من رماده، قويا ومحلقا لن يقدر على مجاراته أي من الأقزام، ولن يكون ذكر بشير، وصورة بشير، إلا ذلك الرمز لرفض واقع الذل، وعودة الحلم، والأمل بمستقبل نير. وإن لم نعش في أمن وسلام فلن يحلم أحد في هذا الشرق بالأمن والسلام، لأن لبنان هو واجهته ونحن مثال شعوبه بتنوعنا وتفردنا.

فلو كان بشير حيا لصفق للجهود التي تبذل في بقاع الأرض لرص صفوف اللبنانيين ودفع قضيتهم إلى الواجهة. ولو كان بشير حيا لتهلل برؤية الشباب المناضل في كل مناسبة ليثبت عدم قبول الأمر الواقع، وعدم الخنوع أمام الضغوط. ولو كان بشير حيا، وهو كذلك في كل مواطن أبي لا يقبل بالذل، وهو كذلك في كل صوت صارخ لا يماشي المحتل، وهو كذلك في كل طلة شمس تنبئ بفجر جديد. ولو كان حيا، ونحن نحب أن نراه حيا في "نديم" اليوم، ذلك الذي بدأ يظهر سمات القيادة وبعد النظر ليجمع الشمل كوالده من قبله، بصراحته، وحزمه، ووضوحه، وعمله من أجل وحدة الشعب الذي آمن به البشير. لو كان بشير حيا اليوم، لكان لبنان هو الذي يجمع شمل الشرق ويهدئ من روع الخائفين فيه وعليه، ولكان هو الذي يمنع، بعدم مماشاته للإرهاب والحقد الذي يغلف الشرق، ولعدم مسايرته لمن يعتقدون أنهم أسياده بالرعب، أن يسير إلى حتفه، وأن يتمزق تحت شعارات فارغة، ويهوي إلى جحيم الرجعية والتقوقع الذي لا قيامة منه. لو كان البشير حيا بيننا، لكان جمع الأصيلين المحبين فوأد الحقد الذي يبشرون به، وأسكت مقولتهم التي لا تجني إلا السواد ولا تحصد إلا النقمة.

فيا أيها الاخوة المحتفلون اليوم بذكرى البشير تعالوا نعاهده أننا سوف لن نقبل بأنصاف الحلول، ولن نرضى بأن يبقى للبنان وجه الإرهابي ومروج المخدرات، ولا وجه ذلك التابع الخائف الذي ينفذ فقط أوامر أسياده ويتباهى بأنه قاصر. وسوف يعود لبشير لبنانه، وترفرف صوره وأعلامه، وتشرق عليه، بالتأكيد، شمس الحرية التي لا تغيب.

14/9/2003