آب 2003

نحن والمواطنون مجرمون...

عن النهار 24 تموز 2003

جبران تويني

موقع جريدة النهار

لا شك ان تأليف مجلس الحكم العراقي ومقتل نجلي صدام حسين سيؤثران ايجابيا على مجريات الامور في العراق أكان على المستوى الامني حيث يعتبر المراقبون ان العمليات العسكرية ضد القوات الاميركية التي ما زالت ضمن الاطار المحتسب له قد تنحسر، اضافة الى القبض على صدام حسين خلال ايام او أسابيع الى أقصى حد، ام على المستوى السياسي حيث ان العراق بدأ يستعيد عافيته من خلال سلوكه طريق الحرية والديموقراطية، رغم كل العراقيل.
يبقى طبعاً على "أشقائه" العرب ان يساعدوه من خلال تفعيل الايجابيات لا السلبيات وزرع التفاؤل بدلاً من صب الزيت على النار، وخصوصا عدم التدخل في الشؤون العراقية الداخلية وعدم استعمال الساحة العراقية لتصفية الحسابات السياسية الاقليمية.
بمعنى آخر، يجب ان يستفيد الجميع من سقوط نظام صدام حسين الديكتاتوري بهدف تطوير أنظمة الشرق الاوسط من خلال الغاء ما تبقى من أنظمة ديكتاتورية على صورة النظام العراقي السابق.
وبكل صراحة اسمحوا لنا ان نقول ان سقوط أي نظام ديكتاتوري هو انتصار للديموقراطية وللحرية وانتصار لكل من يريد ان يطوّر العالم العربي بهدف فرضه على الخريطة العالمية الجديدة.
وبكل صراحة اسمحوا لنا ان نقول ان لبنان بالذات هو المستفيد الأول من سقوط نظام صدام حسين والمستفيد الأول من سقوط كل الانظمة الديكتاتورية في العالم العربي، والمستفيد الاول من تطوير الانظمة العربية وبالاخص المحيطة به لتصبح أكثر ديموقراطية وأكثر حر ية!
... ولكن ولسوء الحظ نرى ان الحكم في لبنان يعمل عكس ذلك تماما وكأنه منزعج مما حصل في العراق أو منزعج من الكلام عن خطر الانظمة التوتاليتارية على الوجود اللبناني!
وحادثة الاسئلة التي طرحت في الجامعة اللبنانية حول سقوط "ديكتاتورية نظام صدام حسين والضرر الذي طاول لبنان بسبب القضية الفلسطينية" حيث قامت قيامة المسؤولين على الاستاذ الجامعي الذي وضع الأسئلة واتهم بكل أنواع التهم وأجبر على تغيير الاسئلة واعادة اجراء الفحص، هذه الحادثة تجعلنا نخاف لا على نظامنا التربوي فحسب، بل على نظامنا السياسي وعلى الحريات في لبنان.
لقد أصبح ممنوعا علينا ان نسمي الاشياء بأسمائها، وان نصور الأوضاع كما هي وبكل حقائقها، دون ان نتهم بالتحريض.
ممنوع علينا ان نطرح أسئلة، ممنوع علينا ان ننقل مخاوف المواطنين، ممنوع علينا ان نوجه الانتقادات.
... واذا فعلنا اتهمنا بالتخريب والتآمر على الامن القومي وعلى العلاقات الأخوية وعلى وحدة لبنان!!!..
... وكل هذا في زمن التغيير العالمي والاقليمي، زمن التغيير داخل أنظمة الحزب الواحد، زمن التغيير داخل المجتمعات المنغلقة على نفسها حتى اقربها منا... فكيف تريدوننا ان نثق بهؤلاء الذين يقرأون ويسبحون عكس التيار الطبيعي، تيار التطور لا التراجع؟!
نعم، ما زلنا نؤمن بأن الحرية في لبنان اقوى من الطبقة السياسية الحاكمة، وبأن ارادة الشعب بكشف الحقائق أقوى من ارادة الحكام بطمسها. عيب ان يلاحق صحافي- واعني الزميل عامر مشموشي - لأنه طرح أسئلة حول تورط المسؤولين خصوصا في دولة لم نر منها الا التورط في الصفقات، في دولة منقسمة على نفسها يتهم بعضها البعض بالصفقات، ويفضح بعضها البعض!
قولوا لنا هل الصحافة والصحافيون والمواطنون وراء خلاف الرؤساء؟ هل الصحافة والصحافيون والمواطنون وراء الصفقات والفضائح؟
هل الصحافة والصحافيون والمواطنون وراء السرقة في بنك المدينة؟ ام هم من تصرفوا باموال المودعين فيه؟
هل الصحافة والصحافيون والمواطنون وراء ضرب سمعة القطاع المصرفي في لبنان؟
هل الصحافة والصحافيون والمواطنون وراء ضرب كرامة الطبقة السياسية أم أن اداء السياسيين كل السياسيين هو الذي يضرب صورة لبنان وكرامته؟
هل الصحافة والصحافيون والمواطنون هم الذين يتسكعون على أبواب دمشق لينالوا التوجيهات او الرضى؟
هل الصحافة والصحافيون والمواطنون هم الذين يعرّجون على عنجر "عند كل طلعة ونزلة"؟
هل الصحافة والصحافيون والمواطنون هم الذين يبلفون أنفسهم ويبلفون الخارج وبالاخص سوريا بسياسة تكلِّف لبنان وسوريا معا؟
هل الصحافة والصحافيون والمواطنون هم الذين يهددون بالخراب والحروب الاهلية في حال انسحبت سوريا؟
هل الصحافة والصحافيون والمواطنون هم الذين كانوا حجر عثرة في وجه صرف المساعدات الدولية لانشاء مشاريع انمائية اجتماعية للبنان؟
هل الصحافة والصحافيون والمواطنون هم الذين أوصلوا الدين العام الى حيث وصل ليصبح لبنان على شفير الافلاس؟
هل الصحافة والصحافيون والمواطنون هم الذين تسببوا بحالة الضياع والبلبلة على مستوى مؤسسات الحكم حيث نرى قرارات تتخذ ليطعن فيها في اليوم التالي دون ان نفهم لماذا اتخذت ولماذا ألغيت؟
هل الصحافة والصحافيون والمواطنون كانوا وبسحر ساحر وراء الغاء الجلسة الثانية لاستجواب الحكومة في المجلس النيابي، وربما طرح الثقة فيها؟
من المسؤول عن شلّ الحوار في الداخل ومع سوريا؟
من المسؤول عن عدم ملاحقة من قام بما قام به في بنك المدينة وكأن شيئا لم يكن، محاولا تطبيق تسوية معيبة مهينة غير قانونية قائمة على معادلة "أعد المال الذي سرقت وأنت حر"؟ ألا يحق لنا ان نسأل المدعي العام التمييزي السيد عدنان عضوم لماذا يسرح المتورط ويمرح ساعة نرى انه يُقبض - وعن حق - على أصغر مزور او سارق؟
ألا يحق لنا ان نسأله بكل صراحة عن الاسباب الحقيقية وراء تمييع القضية واذا كان هناك من كلمة سر داخلية او خارجية؟
ألا يحق لنا ان نطرح عليه هذه الاسئلة التي يطرحها كل مواطن من دون ان نتهم بأننا نحرِّض أو نخرِّب؟
أليس من المعيب ان يلاحق من يسأل عن الجريمة بدلاً من ان يلاحق من يرتكبها؟
أليس دور الصحافي ان يكون همزة الوصل بين المواطن والمسؤول وان ينقل وجهة نظر المواطن الى المسؤول والمسؤول الى المواطن؟
يا ليت المسؤولين في الحكم يعرفون حقيقة تفكير هذا الشعب فيهم، هذا الشعب المذبوح يوميا. فلو عرفوا لفهموا ان ما ننقله ما هو الا الحد الادنى مما يقوله الناس.
رسالتنا تكمن في الكتابة، في فضح الامور، في فتح الملفات، في وضع المسؤولين امام مسؤولياتهم، في قول الحقيقة، في الدفاع عن حقوق الشعب، في الدفاع عن الحق والحقيقة، في كسر حواجز الخوف وفي تدمير جدران الصمت!
بهذه الطريقة تبنى الاوطان، لا ببلف المواطنين او تغليف الحقيقة او عدم مصارحة المسؤولين أيا كانوا ولا بلفلفة الصفقات او تبرير الأخطاء!
نقولها بصوت عالٍ: المواطنون قرفوا من هذه الدولة، ويعتبرونها متورطة في أكثر من صفقة. انهم لا يعتبرونها سيدة، بل يعتقدون انها متآمرة عليهم، وان سياستها أفقرتهم وأذلتهم، وانها غير أهل للثقة.
انهم يعتبرون أنها ليست على مستوى ادارة الوطن او تحقيق أحلامهم.
واذا كان ما نقوله جريمة فنحن والمواطنون مجرمون!