تموز 2003

الواقعية والمثالية في شؤون الشرق الأوسط اليوم

الكولونيل شربل بركات

النهار أون لاين
debka.com

يلاحظ المراقب لشؤون الشرق الأوسط السياسية وتطور العلاقات بين مجموعاته الحضارية وبين أشكال الحكم فيه ومسببات الفوضى، أنه لم يقم بعد في هذه البلاد نظام مستقر، بالرغم من مرور الزمن، والزمن هنا هو قرن كامل، ولا شعر السكان بالولاء الدائم لجهة معينة أو استقر بهم المطاف على أحد أشكال التنظيم المعروفة. فبعد سقوط الإمبراطورية العثمانية التي دامت أربعة قرون والتي لم تمثل دون شك أماني ولا طموحات شعوب المنطقة، وقد قامت على أنقاض دولة المماليك التي، بدورها، كانت قد حكمت المنطقة مدة قرنين من الزمن بالبطش والقوة، حاول بعض من تصدروا الواجهات السياسية، وبفعل تعاطيهم مع الغرب الذي عرف ثورات وحروب وطور أنظمته السياسية، أن يجدوا مخارج ليعيدوا تنظيم هذه المجموعات البشرية المبعثرة التي تسكن الشرق الأوسط. ولكن وبالرغم من مرور قرن لم تفلح بعد شعوب المنطقة بالتوصل إلى قرار. فبين العودة إلى الماضي "العزيز" عند البعض و"البغيض" عند البعض الآخر، وبين تقليد الدول والأمم الناجحة في أنظمة تمثيلية ديمقراطية، وبين الفكر الحزبي التوتاليتاري الفارض "مصلحة الشعب" عليه بالقوة، وبين تبدل الحكام أو ديمومتهم وسلطة النظام أو الحاكم، وبين أممية الشيوعية وعالميتها وتشاوف القومية وتعاليها، وبين دولة الدين وفتوحاتها التي لا تعترف إلا بما "كتب لها"، تقف المجموعات الحضارية، التي يختلف تفاعلها مع أحداث التاريخ، لا بل يتباين في أغلب الأحيان، حائرة لا تعرف بعد ما هو الأفضل لها لأنها لم تمارس حقها في اختيار ممثليها، ولا مارست رأيها في قوننة هذه الحقوق، ولا عملت على بناء أشكال حكم محلي يعكس بالضبط مشاكل وتطلعات لا بل مصالح هذه الشعوب المتعايشة بالقوة أو بالذمة، بالانفتاح أو بالتقية.

نقول هذا اليوم وبمناسبة المجمع الماروني، الذي انعقد واكتمل وأصدر مقررات لم تزل، وبعد كل الحروب والتضحيات والمآسي، مصدر تأويل، فها إن الصحف اللبنانية تريد أن تفهم وتشدد على اعتراف الموارنة بعروبتهم بينما معظم "الأحرار يفهم هذه العروبة "ليس الا تفاعلا مع محيط ليسوا بالغرباء عنه ولكنه، أي هذا المحيط، لا يزال يعتبرهم كذلك لأنهم يطالبون بخصوصية في إدارة دولتهم التي ناضلوا مدة ثلاثة عشر قرنا من الزمن لإبقائها حرة وقد تميزت بهذه الحرية والانفتاح عن غيرها من دول المنطقة. ويعقد هذا المجمع بالذات وتصدر هذه المقررات في زمن لا يزال لبنان، وهو الشكل السياسي المفترض فيه حماية حقوقهم، يرزح تحت احتلال جيوش دولة جارة، لا نقول بأن حكمها يتمتع بصفات الدولة الدينية، ولكنه لا يختلف كثيرا عن حكم دولة المماليك، أي الحكم الفارض سلطته بالقوة وليس بالتمثيل الصحيح لأماني وتطلعات شعبه فكيف بالشعب الآخر الذي يفرض عليه سلطته. فهل كان من الضروري أن يقام المجمع الماروني اليوم ؟ وهل إن قيامه هو لتوضيح رؤية الموارنة؟ وهل من الممكن ذلك في ظل الاحتلال؟ وهل تمتع المجتمعون بكامل الحرية لتحديد الأمور التي كانت سببا لمآسيهم لكي يتخذوا العبر ويرسموا المستقبل؟ أم أنه بالفعل بادرة شجاعة من آباء الكنيسة لكي تكون كلمتهم واضحة لا زغل فيها مهما كانت الظروف وفي ظل أي سلطة كانت؟ أو قد يقول قائل إنه جاء مقدمة لرسم الحلول التي تنتظرها المنطقة وشعوبها.

وما يقال عن الموارنة يقال عن غيرهم اليوم من شعوب المنطقة، فها إن الشيعة في لبنان يهللون لإيران الفارسية ويتبعون تعليماتها وأوامرها وهي التي تواجه العرب في الخليج، ويعتبرون أنفسهم من حماتها وأتباعها، وهم في نفس الوقت يغالون عند جدالهم الموارنة بموضوع العروبة ولا يرضون إلا أن يكون أصلهم وجذورهم من قلب الجزيرة العربية، فهم قحطانيو النسب لا يقبلون إلا بحكم آل بيت الرسول (صلعم). فكيف يكون الولاء للفرس عروبة؟ وكيف يصبح آية الله خامنئي حاكما جديدا لشعوب المنطقة بينما لا تزال هذه تقاتل اللبنانيين لتفرض عليهم حلولا وسياسات تحت اسم العرب والعروبة؟ وها هو العراق، قلب العروبة وثروتها، قد أصبح، مع شيعته الخارجين من حكم صدام، القارعين صدورهم في شوارع البصرة والنجف الشريف، يميل أيضا إلى مبايعة ملالي إيران ويعترف بحقهم في حكم الولي، ولا نعلم إن كان هؤلاء لا يزالون يمنون النفس بالعودة إلى قصور كسرى التي طردهم منها عرب القادسية منذ ثلاثة عشر قرنا.

ولا نكون نعلن سرا إذا ما تحدثنا عن تطلعات جماعة حاكم الشام العلويين الذين يعتبرون في قواميس الأصولية الإسلامية خوارج لا بل كفرة، فكيف يقدر العلويون أن يحلموا بمستقبل آمن في ظل أي حكم آخر غير حكم علوي؟ وهل يقبل شعب سورية ذو الأكثرية السنية الحنيفة بهذا الحكم إلى ما شاء الله ؟

وماذا عن السعودية الملكية الوهابية التي لم تترك بلدا في العالم لم تزينه الأموال التي تصرفها على بناء جوامع، تصبح تلقائيا مراكز المدارس الأصولية التي تهيئ جيوش الإرهابيين المتطلعين إلى حكم العالم بحسب شريعة رسول الله، ولكنها في نفس الوقت أخذت تعاني من غي هؤلاء ومن إرهابهم في قلب الرياض ومكة المكرمة قبلها ولا أحد يعرف ما تخبئه لها الأيام.

وماذا عن مصر بلاد القبط، وما هو مصير هؤلاء الثمانية ملايين الذين يشكلون أكثر من 12% سكان البلاد وهم أصلها ولا يزالون يزينون تاريخها حضارة ورقيا، فهل سيستطيع حكم مبارك أن يجعل القانون يحمي حقوق هؤلاء ليشعروا أنهم متساوون لا يسلبهم أي مارق حريتهم وحقوقهم في الحياة والمحافظة على تراث عظيم أتحفوا فيه البشرية، فلا الأخوان المسلمون ولا غيرهم سيهجرهم من بلادهم أو يجبرهم على الانعزال داخل أسوار التخلف والرجعية؟

وماذا عن الآشوريين والكلدان وعن الأكراد والتركمان وعن البربر والسريان وماذا عن الدروز سيوف لبنان وشيوخ عقله، هل لهؤلاء من مكان في مستقبل العلاقات داخل هذا الشرق الأوسط المترجرج؟

وماذا عن إسرائيل واليهود فيها وهل سيكون لهم دور في تفاهم الشعوب؟ أم أن هذه الشعوب ستبقى تحلم بالسلام قرنا آخر قبل أن يقترب من التحقيق؟

كل هذه التساؤلات تطرح يوميا ولا جواب لها في جعبة الحكام لأن هؤلاء يخافون الاعتراف بالواقع، وهم يعرفون أن ثقافة شعوبهم يغلفها الحقد، وهو يتعاظم كلما سنحت الفرصة للرعاع بالتحكم، بطرقهم الغوغائية، بالشارع الشرق أوسطي، فيزيد التطرف، ويصبح القتل زينة الرجال، ويهرب العقل إلى خزائن الماضي، ولا نعود نعرف الخروج من دوامة العنف الذي يحرق الأخضر واليابس إلا بقدوم أوصياء جدد، من الشرق أو الغرب، يفتحون عيوننا فنرى أن التقاتل لم يأتنا بالمن والسلوى، ولا ملئ خزائننا بالكنوز، بل أفرغ البيوت والقرى، ووأد الأمل في مستقبل الأجيال، وتركنا شعوبا متخلفة تهجر بلادها في سبيل لقمة العيش بينما يسلب الغير ثرواتها، لأنها لم تعرف أن تستغلها ولا رغبت في تعلم ذلك. ويعود هؤلاء يحلمون بالماضي ويترحمون عليه. فهل يكون هذا الواقع حافزا للعمل أو البحث عن الحلول الكفيلة بإخراجنا من العنف الفارغ إلى البناء الثابت؟ أم أننا سنبقى نحلم ونبكي على أطلال الماضي منتظرين غزوات جديدة وثورات واضطهاد نكسب منها القليل بسرقة جار وفرض الخوة على فقير يضطره إلى التفتيش عن نسب أو ملة تحميه من غياب الدول والحكم وسلطتهم؟...

الشرق الأوسط، وهو وسط العالم ومنبت الفكر ومركز الثروة، هل سيتعلم أبناءه كيف تتقدم الشعوب؟ وقد أتحف العالم القديم بشرائع حامورابي وعالمية الكنعانية المنفتحة ووصايا موسى كليم الله ومحبة المسيح الموزعة على الكل؟ هل يمكن أن يستعيد حوار الفكر الذي زينته مدارس بغداد وفلاسفتها فيشحذ من تاريخه المليء بالتناحر حلولا على مستوى البشرية المتطورة؟ أم أنه سيرجع إلى تخلفه ويصر على الانعزال في أقبية الماضي المتحجر؟ وأين نحن اليوم من الواقعية في فهم المشاكل والمثالية في رسم الحلول لمجتمعاتنا ودولنا في هذا الشرق؟...