تموز 2003

بيان المجمع البطريركي الختامي أبرز دور الكنيسة في لبنان والعالم ومركزية بكركي

البيان الختامي

موقع المجمع الماروني

بكركي

 

اختتم المجمع البطريركي الماروني امس دورته الاولى التي عقدت برئاسة البطريرك صفير في دار سيدة الجبل، وتلا رئيس لجنة صوغ البيان الختامي المطران بولس مطر البيان، وعنوانه "البيان الختامي لدورة المجمع البطريركي الاولى - سيدة الجبل في 21 حزيران 2003"، وهنا نصه:

"1- بنعمة الله، وبدعوة من صاحب الغبطة والنيافة الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير بطريرك انطاكية وسائر المشرق الكلي الطوبى وبرئاسته، التأم المجمع البطريركي الماروني في دورته الاولى، من الاول من حزيران الى السابع منه سنة 2003 ومن السادس عشر الى الحادي والعشرين منه في دار سيدة الجبل في فتقا، قضاء كسروان، لبنان. وقد شارك فيه بموجب القوانين المقدسة اصحاب السيادة مطارنة الكنيسة المارونية يرافقهم، بصفة اعضاء، كاهن وراهب او راهبة وعلمانيان عن كل ابرشية، وقدس الآباء العامين والرئيسات العامات للرهبانيات المارونية، ورؤساء الجامعات وعمداء كليات اللاهوت والحق الكنسي ورؤساء المدارس الاكليريكية المارونية في لبنان وخارجه، وعدد من الخبراء ذوي الاختصاص واعضاء اللجنة المركزية الذين اوكلت اليهم مواكبة تحضير المجمع منذ بدايته.

وقد لبّينا جميعاً هذه الدعوة وفي قلوبنا فرح لا يوصف بالتقاء العائلة المارونية بأبرشياتها وجماعاتها كاملة وذلك لاول مرة بعد انتشارها، اذ وفدنا من لبنان ومن سوريا والارض المقدسة والاردن ومصر وقبرص واوروبا والارجنتين والبرازيل والمكسيك والولايات المتحدة الاميركية وكندا واوستراليا. فتحول مكان لقائنا علّية وموعده عنصرة جديدة للروح، تزامن مع عيد العنصرة الاولى. وتملّكنا شعور عفوي بأن مجرد اجتماعنا على هذه الصورة يحمل في ذاته بذور نجاحه وبأن هذا المجمع البطريركي سيبرز كمنعطف كبير في حاضر الكنيسة المارونية ومستقبلها.

2- افتتح المجمع مساء الاحد الواقع فيه الاول من حزيران بقداس احتفالي ترأسه صاحب الغبطة والنيافة، رئيسه الاعلى، في باحة الكرسي البطريركي في بكركي، شارك فيه صاحب الغبطة البطريرك الانطاكي السرياني مار (اغناطيوس) بطرس الثامن عبد الاحد، والسادة المطارنة، وحضره صاحبا الغبطة غريغوريوس الثالث لحام بطريرك انطاكية وسائر المشرق للروم الكاثوليك، ونرسيس بدروس التاسع عشر بطريرك كيليكيا للارمن الكاثوليك، وممثل سيادة السفير البابوي في لبنان والسادة المطارنة ممثلو الكنائس، والاعضاء المشاركون وجمهور من الكهنة والرهبان والراهبات والمؤمنين. وقد رفعوا الصلاة، بالاتحاد مع جميع الموارنة في لبنان والعالم، على نيّة هذا المجمع الذي كانوا يتشوّقون من زمن لانعقاده.

3- بدأت الجلسات صباح اليوم التالي بكلمة ترحيب وتوجيه من صاحب الغبطة والنيافة رئيس المجمع، وتليت رسالة من نيافة الكاردينال البطريرك موسى الاول داود، رئيس مجمع الكنائس الشرقية، اعرب فيها عن امنياته بنجاح الاعمال المجمعية. وكانت كلمة دعاء لسيادة السفير البابوي المطران لويجي غاتي. كما تليت في مستهل الاسبوع الثاني رسالة وجهها فخامة رئيس الجمهورية اللبنانية العماد اميل لحود الى غبطة السيد البطريرك رئيس المجمع والاعضاء المشاركين متمنياً لهم التوفيق في كل اعمالهم.

وقبل الدعوة مشكورين الى حضور المجمع والمشاركة في اعماله سادة أحبار ورؤساء مثّلوا الكنائس الكاثوليكية والأرثوذكسية والأرثوذكسية الشرقية والإنجيلية وممثلون عن الرهبانيات غير المارونية، ومندوبون عن الطوائف السنية والشيعية والدرزية في لبنان. وقد شرّف المجمع بحضوره لبعض الوقت، وافداً خصيصاً من القاهرة، صاحب الغبطة والنيافة الكاردينال مار اسطفانوس غطاس بطريرك الإسكندرية للأقباط الكاثوليك.

الحوافز

4- إن الحافز الاول على إطلاق هذه المبادرة الروحية الكبيرة كان في الربيع المتجدد الذي طلع على الكنيسة الجامعة بفضل المجمع الفاتيكان يالثاني، والسينودس من اجل لبنان الذي دعا اليه قداسة الحبر الأعظم البابا يوحنا بولس الثاني واختتمه في بازيليك سيدة لبنان، حريصا، بتوقيع الإرشاد الرسولي "رجاء جديد للبنان" في العاشر من أيار ،1997 وصولا الى يوبيل السنة الالفين وبداية الالفية الثالثة. والحافز الثاني كان في حاجة الكنيسة المارونية الى أن يلتقي أبناؤها بعضهم بعضاَ وأن يصلّوا معاً ويستلهموا الروح القدس من أجل البحث في ما آلت اليه كنيستهم، وفي هويتها ووحدتها ورسالتها بعد التحول الكبير الذي عرفته بإنتشار أكثرية أبنائها في كل قارة من قارات الأرض. فجاء المجمع تحقيقاً لإنتظارات واسعة وعميقة في قلب الكنيسة، وحصيلة جهود كبيرة ومستمرة بذلت في سبيل إعداده منذ أكثر من خمسة عشر عاما. وقد سادته روح إيجابية بنّاءة تجلّت في عرض مواضيع البحث بحرية وبساطة وفي تقبل المناقشات بإصغاء ومحبة كلّيين. وها نحن نشرككم فيها، لندخل معاً في حالة مجمعية "يقودها الروح القدس الى الحقيقة كلها"

كنيسة بطريركية إنطاكية سريانية

5- استحوذ موضوع هوية الكنيسة المارونية وإنتمائها على إهتمام جامع من المشاركين. فأبناء كنيستنا التي ارتبط تاريخها بأرض لبنان على مدى أربعة عشر قرناً من الزمن، وترسخ في العالم العربي، قد حملوها مع إنتشارهم الى القارات الخمس. فكانت الكنيسة الأم في الوطن الروحي لبنان، وكانت كنائس الإنتشار. وتنوّعت إختباراتهم وفقاً لتنوّع الأجواء الثقافية والاجتماعية الجديدة التي عرفوها، وتعددت اللغات التي أدخلوها تباعاً الى صلواتهم الطقسية، فبات لزاماً عليهم في لبنان والعالم أن يسعوا الى الحفاظ على تراث كنيستهم الإنطاكية السريانية وعلى وحدتها وغنى تنوعها. لكي تكون، في قلب الكنيسة الجامعة، معدة لكل عمل صالح (2تيم 3/17) وللخدمة في بناء جسد المسيح السري.

لقد أكدنا هوية كنيستنا على أنها كنيسة مشرقية إنطاكية الجذور والإنتماء، وأدركنا إدراكاً جديداً مضامين دعوة قداسة الباب في الإرشاد الرسولي المذكور لإكتشاف هذا التقليد الذي نشترك فيه مع إخواننا من سائر الكنائس الإنطاكية. وكان وعي لما يمليه علينا من مقتضيات إنتماء كنيستنا الى عائلة الكنائس السريانية المنتشرة من البحر المتوسط الى المحيط الهندي، الذي يشركنا في إرث حضاري ثمين. لأن التقليد السرياني هو تقليد روحي عريق أغنى الكنيسة الجامعة مثلما أغنتها "التقاليد الكنسيّة الأخرى بتراثاتها الليتورجية واللاهوتية والروحية والتنطيمية" (انظر مجموعة قوانين الكنائس الشرقية، 18). وأدركنا أهمية لقاء البعدين الكاثوليكي والمشرقي في كنيستنا، وإندراجها في العالم العربي، اللذين أعطياها مقدرة خاصة على التواصل بين الجماعات، وأسسا لها دعوة أهلتها لخدمة العمل المسكوني، ولتعزيز الحوار المسيحي الإسلامي وللتواصل بين الشعوب والحضارات. وبرز أمامنا التراث النسكي كعنصر أساس من عناصر هويتنا الكنسية، والعيش الرهباني الذي دمغها منذ أنطلاقتها، مع شفيعها القديس مارون ومع الدير الذي حمل أسمه على العاصي. وهو تراث قادها الى التقرب من الناس بمقدار ما هي تتقرب من ربها وتلقى نفسها فيه. وقد أعرب في النقاش حول موضوع هذه الهوية عن أمنيات بأن نتعمّق في دراستها خلال السنة المقبلة فيسهم توضيحها إسهاماً فعالا في توحيد أبناء هذه الكنيسة وفي إلتزامهم دعوتها ورسالتها في أيّ محيط وجدوا فيه.

كنيسة تتجدد في أشخاصها وهيكلياتها

6- وانتقلنا الى شؤون الملف الثاني وهو بعنوان "التجدد الراعوي في الكنيسة المارونية". فتوجهت أنظارنا الى جميع الذين يحملون رسالة الكنيسة وهم على التوالي أساقفتها وكهنتها ورهبانها وراهباتها وعلمانيوها وعائلاتها المسؤولة عن تواصل أجيالها وشبابها الطالع والمكانة التي يجب أن تحفظ لهم اليوم في قلبها. وتوقفنا عند الأهمية القصوى التي يجب أن تعطى لتنشئة الكهنة ليكونوا فاعلين في الزمن الحاضر. وقدمت أفكار وإقتراحات حول التعاون بين الأبرشيات لتأمين الخدمة الكهنوتية بصورة أشمل، وعند تأسيس مدرسة إكليريكية خاصة بالرسالات يتهيأ فيها المدعوون الى الخدمة في أي مكان يطلبون اليه، وبخاصة في أبرشيات الإنتشار حيث الحصاد كثير والفعلة قليلون. أما عن الحياة الرهبانية فإننا شكرنا الله على أنه أعطى كنيستنا منذ نشأتها حتى اليوم نعمة تواصلها وتطورها بالأمانة لبعديها التأملي والرسالي. فالرهبانيات الرجالية والنسائية تواكب بأديارها ومؤسساتها التربوية والاجتماعية مسيرة الكنيسة في كل مكان شاهدة على جذرية الإنجيل ومقدمة العون بسخاء في كلّ خدمة رعائية تطلب منها لمجد الله وخلاص النفوس.

وفي شأن العلمانيين سجلت فكرة التلازم بين قيامهم بالدور العائد اليهم في الكنيسة واحتضانهم من السلطة وتوفير وسائل النجاح لهم وتأمين تنشئتهم الأساسية والمستمرة، على ان يكون للمرأة في الكنيسة حضورها الفاعل فلا تهمل المواهب الروحية والانسانية المعطاة لها من الله لخير الكنيسة وبنيانها.

وكان إهتمام كبير بموضوع العائلة وقضاياها. فهي أساس المجتمع ومدرسة للأيمان والفضائل، وقد طالب المشاركون برسم خطة رعائية شاملة لمواكبتها في مجمل ظروفها، وبالعمل الدؤوب على تعزيزها وحمايتها لتبقى الشاهدة الأولى لقيمة الحياة وقدسيتها منذ اللحظة الأولى لتكوينها حتى نهايتها.

وقد استحوذ الشباب في المجمع على الاهتمام الاكبر، فهم يحيون اليوم في لبنان قلقاً مضنياً على الغد الذي لا تبدو اسباب الاستقرار مضمونة فيه. وقد طلب أن تزيد الكنيسة من رعايتها لأمور الشباب، روحياً وانسانياً، وان تسخّر طاقاتها في سبيل مساعدتهم على مواجهة مستلزمات لا يستطيعون مواجهتها وحدهم، في إكمال دروسهم وتأسيس عائلاتهم والبحث لهم عن عمل لم يعد في متناول ايديهم.

وبحثنا في موضوع تجديد الهيكليات في كنيستنا، فحصل إجماع كامل في اطاره حول دور الكرسي البطريركي في توحيد الموارنة وجمع شملهم في العالم كله. لأن البطريرك هو مرجع الكنيسة وهو أبوها ورئيسها. كما أجمعنا على دور الليتورجيا المقدسة كعنصر توحيد للموارنة في سائر اوطان العالم. فاذا ما صلّى الموارنة صلاة واحدة واحتفلوا برتبة موحدة للقداس تنقل اليهم بلغاتهم الحية كلها، فإنهم بذلك يسيرون على طريق وحدتهم الحقة ويحافظون عليها. وكم كان مشجعاً موقف موارنة الانتشار الذين تمنّوا الاّ يكونوا متقبّلين لليتورجيا المارونية فحسب او ممارسين لها بل ايضاً من العاملين على اصلاحها.

ومن الاصلاح الليتورجي توجهت انظارنا الى نطاق الرعاية واعمال الكرازة. وقد سلّطت الاضواء على اعادة تنسيق هذه الاعمال، فلا يقوم بها اشخاص منفردون مهما كانوا قادرين، بل يتحول العمل الراعوي في الكنيسة الى عمل منظم يعكس حقيقة مجمعيتها مع التأكيد أن التنظيم الكنسي لا ينفي دور الشهود فيها بل يستدعيه، لأن الرسول الحقيقي على حد تعبير بولس هو "من رأى المسيح" وعرفه معرفة حقة.

كنيسة حاضرة

7- وعرضنا ملفاً آخر كبيراً هو ملف الكنيسة المارونية في عالم اليوم، المتركز على خدمتها في اطار السياسة والثقافة والاجتماع والاقتصاد والاعلام وما سواها. وعالم اليوم في هذا الاطار يعني واقعاً وبصورة اولى الوطن اللبناني، ويعني ثانياً دنيا العرب حيث الانتشار القديم للموارنة ومن ثم بلدان الانتشار الجديد. وقد أكدنا ان رسالة الكنيسة في ميادين السياسة والاجتماع وما سواها تنبع اولاً من حقيقتها الروحية ويستدل عليها من ثوابت عملها عبر التاريخ. فالكنيسة المارونية لم ترد يوماً في المجال السياسي أن تكون كنيسة قومية، ودعوتها لم تقم في اقتطاع ارض لها دون سواها. بل إن الله ألهم ابناءها على الدوام رسالة المشاركة في المصير مع آخرين في كيان سياسي واحد. الاّ أن هذا المنحى الروحي لا يدعو المؤمنين ابناءها الى التخلي عن حقوقهم المشروعة كمواطنين والتشبّث بالارض واحترام قدسيتها.

وفي ما خص عمل الكنيسة في لبنان، فقد أكدنا من جديد أن خيار الموارنة هو خيار العيش المشترك. وأكدنا ايضاً ان لبنان لا قيمة له ولا وجود من دون الحرية. فالعيش المشترك والحرية هما شرطان متلازمان لبقاء هذا الوطن على حقيقته. وعلى هذا الاساس توجهت انظارنا نحو الواقع الذي يعرفه لبنان في هذه الحقبة من الزمن. فمسيرة اعادة البلاد الى وضعها الطبيعي بطيئة او متعثّرة. والمشاركة الكاملة في المسؤوليات تنتظر الى الآن سبيلها الى التحقق. والحرية بكل أبعادها تنتظر ترجمتها كاملة في المنحى الديموقراطي الصحيح. لذلك فإن دعوة الكنيسة موجهة الى الجميع ومن اجل الجميع لتبنّي قيم المشاركة والحرية في لبنان حتى يستعيد هذا الوطن كل مقومات سيادته واستقلاله وقراره الحر، ويقوم بدوره كرسالة حرية ونموذج تعددية للشرق كما للغرب بحسب قول قداسة الحبر الاعظم فيه (رسالة 7 ايلول ،1989 فقرة 6).

اما القضايا الاجتماعية في لبنان فإن الكلام عليها كان صدى لصرخة الناس بفعل رزوحهم تحت أثقالها. لأن المواطنين باتوا يشكون العوز وضيق ذات اليد بنسبة صارت مخيفة. فمشاكل العلم والتطبيب والسكن تتفاقم كلها تحت وطأة الديون العامة والخاصة، والبطالة تدفع الشباب الى الهجرة لجمود سوق العمل وقلة الاستثمارات. ومن المعروف أن هذه لا تطرق ابواب لبنان ما لم تجد فيه استقراراً سياسياً ملائماً. الاّ أن الكنيسة وابناءها لا يطفئون شعلة الرجاء في قلوبهم. والمجمع منكبّ على هذه المواضيع لاستكمال البحث فيها والكنيسة واقفة مع الجميع في عبورهم هذه الازمة الخانقة بالتضامن والمحبة.

وما يصح لجهة خدمة الموارنة في لبنان يصح ايضاً لجهة خدمتهم في العالم العربي الذي يعيشون فيه، وهم جزء منه ومن القيم الانسانية التي اختزنها له عبر تاريخه. فالكنيسة المارونية كانت رسولة الحداثة بمعناها الايجابي في هذا المحيط اذ ساهمت في نهضته الادبية والفكرية وشهدت في أرجائه للقيم الديموقراطية ولحقوق الشخص البشري، وهي اليوم مدعوّة مع جميع القوى الحية فيه الى التضامن من اجل قيام العدالة والحرية والتطوّر في ربوعه لتنعم بها أجياله الجديدة، ومن اجل حلول عادلة لقضايا شعوبه ودوله، وعلى رأسها قضية فلسطين.

اما في العالم الواسع، فلقد قدّر ايضاً للموارنة ان يكونوا عنصر تلاق بين الاديان والحضارات. وقد يكون عطاؤهم لنجاح هذا التلاقي من أثمن العطاءات، لأنهم حملوا ويحملون الى بلدانهم الجديدة خبرة فردية وجماعية في العيش المشترك وحوار الحياة تجعلهم رسلاً للتوافق بين الشعوب. فهم يقدمون بثقافتهم خير دليل للعالم بأن صراع الحضارات فيه شر مميت، وبأن الحوار بينها يضمن وحده المستقبل الواعد للبشرية بأسرها.

كنيسة تكمل شرعها الخاص

8- وقبل الانتقال الى ملف الانتشار تطرّقنا الى ملف القضايا القانونية فأجريت مداخلات طالبت باستكماله في السنة المقبلة، وعبّر المشاركون في إطاره بالاجماع عن ضرورة ارتباط قانوني أشمل وأوثق للكنيسة المارونية المنتشرة بالسدّة البطريركية في لبنان وذلك خدمة لوحدتها وصوناً لهويتها من الضياع. وبما ان المجمع البطريركي سيبلور من خلال نصوصه ومداخلات الاعضاء والتوصيات، هوية الكنيسة المارونية وروحانيتها وميزاتها ومقتضيات حياتها ورسالتها، فلا بد لنا من استكمال الشرع الخاص بكنيستنا، لأنه الوسيلة الفضلى والضامنة، الى جانب الشرع العام، لحفظ إرثنا وجعله يتم في خدمة الكنيسة والمؤمنين والمجتمع. فالتوصيات التي ستصدر عن المجمع تحتاج الى قرارات يصدرها سينودس اساقفة كنيستنا، والقرارات تصاغ بدورها مواد في الشرع الخاص، فتحمل صفة الالزامية والتوجيه لابناء الكنيسة المارونية ومؤسساتها وهيئاتها حيثما وجدت. وهذا عمل جوهري وطويل الامد. وفي كل حال فالشرائع الكنسية والانظمة القانونية لا تحل محل شريعة المحبة التي اوصى بها السيد المسيح ولا محل الايمان والنعمة والموهبة، التي يجب ان تكون قاعدة لمسلك المسيحي، بل تعطيها الاولوية، وتسهّل نموّها وتفعّل ممارستها (البابا يوحنا بولس الثاني: Sacrae Disciplinae Canones) لأن "خير النفوس ينبغي ان يكون دائماً في الكنيسة الشريعة السميا" (مجلة الحق القانوني 1752).

كنيسة امّ وكنائس انتشار

9- اما الانتشار الماروني فقد تم البحث فيه من كل جوانبه وربما للمرة الاولى بمثل هذا الوضوح. فان مرحلة تاريخية اولية للعلاقات بين لبنان المقيم ولبنان المغترب قد باتت من الماضي بحيث ان الاغتراب لم يعد ظرفا موقتا للذين غادروا بلادهم على امل العودة السريعة اليها، بل تحول الى حضور جديد لهم في بلدان جديدة والى اختبار انساني جديد لحياة كنيستهم وامتدادها في العالم. على ان هذا الواقع لا يبعدنا عن التطلع الى عودة اللبنانيين الذين اكرهوا على الرحيل عن وطنهم تحت وطأة الاحداث الاليمة التي عصفت به في الحرب الاخيرة، والذيـــن لا يـزالون يرغبون في العودة اليه والانخراط مجددا في الحياة على ارضه. بل على العكس فان علينا العمل على تحقيق هذه الرغبة وعلى وقف نزف الهجرة من لبنان الذي بات يتعرض بخسارته طاقات كبيرة من شبابه ومن ادمغته، الى ما يهدد كيانه ومصيره بالضياع.

وان مرحلة ثانية من مراحل الانتشار قد باتت اليوم هي ايضا على ابواب منعطف جديد. لقد كانت هذه مرحلة التأقلم مع اهل البلدان التي صار المنتشرون من ابنائها والتزموا مصيرها واصابوا فيها نجاحات لافتة على كل صعيد. وقد ساعدتهم في ذلك توجهات منفتحة املاها المجمع الفاتيكاني الثاني على الكنيسة، في الحفاظ على الكنائس الشرقية التي برزت في العالم المسيحي قاطبة قيمة روحية ثمينة ينبغي للجميع احترامها والافادة من غناها الروحي الاصيل.

وقد بدأت فعلا اليوم مرحلة ثالثة ومستقبلية بالظهور في حياة كنيسة الانتشار. انها مرحلة تثبيت وحدتها بالروح وبالتراث. ومرحلة قيامها برسالة مميزة لدى محيطها الفسيح في اجواء عالمية باتت تتقبل تكامل الحضارات او هي بحاجة الى تقبّلها والافادة منها.

انها فعلا مرحلة التوفيق بين الوحدة والعالمية في الكنيسة المارونية. فهي كنيسة واحدة بتراثها وصلاتها وقدّيسيها وانتمائها المشرقي وتمسكها بلبنان موطنها الروحي وتعلّقها بشخص بطريركها المقيم في بكركي والضامن لوحدتها ماضياً وحاضراً ومستقبلا; وهي عالمية الانتشار وعالمية الدور والرسالة في التلاقي مع الآخرين ايا كانوا واينما كانوا، لانها صارت على طريق ملكوت الله خبيرة في العيش المشترك لشعوب الارض، كما ان كنيسة المسيح الواحدة الجامعة المقدّسة الرسولية هي، بحسب تعبير البابا بولس السادس، "خبيرة في الانسانية" في العالم كله. الا ان الضامن لهذه الوحدة في ظروف العولمة والانتشار هو كنيسة لبنان، وبدون هذه الكنيسة تتحول المارونية في العالم مارونيات.

كنيسة تلتزم

10- وفيما ننهي اعمال الدورة الاولى من هذا المجمع، نتطلع جميعا الى دورته الثانية التي ستنعقد في اواخر تشرين الاول من السنة المقبلة .2004 وقد اعدت الامانة العامة برنامج عمل لاعادة صوغ النصوص التي درست في المرحلة الراهنة، ولارسالها من جديد الى الاعضاء المشاركين لابداء الرأي فيها قبل لقائهم المقبل. ولم يغب قط عن بالنا ان هذا المجمع هو للموارنة جميعاً اينما كانوا، فنطلب اليهم مواكبته بالصلاة والتفكير حول المواضيع المطروحة فيه والتي سيحملها اليهم في كل مكان "دليل" يوجزها ويقدم اشكالياتها ويكون وسيلة لمشاركة واسعة منهم على كل المستويات، نجمع حصيلتها ونستنير بها في صوغ النصوص التي سيتبناها المجمع في ما بعد، بصورة نهائية. وان لهذا الاهتمام الواسع للموارنة في مواكبة المجمع سيكون دورا كبيرا في انجاح هذا الحدث التاريخي وفي الانعكاسات الايجابية المرتقبة له على حياة الكنيسة المارونية ومستقبلها.

الخاتمة

11- ان هذا المجمع البطريركي يقوّي الرجاء المبارك في قلوبنا جميعا، ويدعو الموارنة الذين اجتمعوا في ارجائه بواسطة ممثلين عنهم، الى ان يشكروا الله الآب بنعمة الروح القدس لانجيل ابنه يسوع على ما خصّهم به من نعم في حياة كنيستهم، فيتجددوا بالحق وينقّوا ذاكرتهم وينفضوا غبار الموت بقوّة القيامة، وان يسألوه نعمة الامانة للرسالة التي اوكلها اليهم بأن يكونوا شهودا لانجيله الطاهر وخدّاماً لمحبته الشاملة، وان يواجهوا مستقبلهم ومستقبل اوطانهم بالثقة التي يوحيها اليهم ايمانهم بالعناية الالهية التي تسيّر التاريخ. وهم اذ يسألون من اجل نجاحه شفاعة امهم العذراء مريم التي رافقتهم مدى الاجيال في اليسر وفي العسر، وشفاعة قدّيسيهم، مار مارون ومار افرام ومار يوحنا مارونومار شربل والقديسة رفقا والطوباوي نعمة الله، والشهداء المسابكيين وشهدائهم كافة، يرفعون صلاة حارة على نيةالشرق الذي يجتمعون على ارضه لتنزع منه الحروب والخصومات، ويحلّ فيه وفي العالم سلام الله وامانه تحت راية الاخوّة المستعادة بين البشر، فيتقدّس اسمه في كل مكان ويأتي ملكوته، ملكوت الحق والعدل والرحمة والمحبة".